عمّان ـ العمانية:
عرفَ الأدبُ العربي الرباعيات في العصور الوسطى، بتأثيرٍ من الثقافة الفارسية التي قدّمت للعالم شعراء اشتُهروا بهذا النوع من الشعر من
أبرزهم عمر الخيام، الذي لقيت رباعياته اهتماماً واسعاً، وتُرجمت إلى لغات عدة من بينها العربية، وغنّت مقاطعَ منها كوكب الشرق أم كلثوم، بترجمة أحمد رامي.
وارتبطت الرباعيات عند العرب بالمنحى الصوفي، حيث الدعوة إلى الزهد والرضا والبحث عن التوازن والصفاء النفسي. وهو ما يمكن تلمّسه في الديوان الذي صدر مؤخراً للدكتور بسام أبو غزالة بعنوان "الرباعيات"، حيث لم يجد الشاعر أكثر مناسَبةً من قالب الرباعيات لبثّ تأملاته الفلسفية والوجودية، بل وأفكاره السياسية، إذ يتيح له هذا القالب تقديم رؤاه بعبارة مكثفة، وموسيقى سلسة، وبما يضمن تحقيق التفاعل المأمول مع المتلقي.
يتضمن الديوان قسمَين؛ الأول "في التأمُّل"؛ والثاني يخاطب "الوطن اليتيم". وفي الأول، يتأمل الشاعر الحياة الفانية بقوله:
"لم يعد بيني وبين الصفر بابْ
يا خليليَّ على الدرب الطويلْ
فاحملا عني تباريح الحسابْ
واتركا لي خلوةً بين الطلول".

الحياةُ الفانية كما يرى الشاعر، "قيدٌ وأسْـر"، والحرية فيها وهمٌ، لذلك فإنه يرجو العبور إلى زمان آخر:
"ضاقَ بي أسري وأفناني انعتاقي
أعبر الأرض ولا أعدو مكاني
أين لي صهوةُ مهرٍ كالبراقِ
يخلبُ العينَ ويجتاز زماني؟".

وهو يرى في الموت جلاءً للأحزان:
"هذه الذكرى وذاك الحُلُم
كلما هاجت رياحي انهمرا
آه لو يشفي غليلي العدمُ
فيريني كنهَه المُستترا".

والحب عند أبو غزالة لا يبقى على حاله، فهو أيضاً عرضة للتغير:
"لذةُ العشق تباريحُ الجوى
وانعصار القلب في ليل السهادِ
فاعذريني إن خبتْ نارُ الهوى
نزل القطرُ فأطفا بي اتقادي".

لكن الحياة ليست كلها حزناً وأسى، فأحياناً ينطلق الشاعر مرحاً ويعدو كالحصان في البرّية:
"كحصان الفجر أعدو مَرَحا
أنثر الأحلامَ وردا في الطريقْ
أيها الساقي تنزّل قدَحا
يخطف الأبصارَ حتى لا أفيقْ".

وعندما يضجر الشاعر، فليس سوى الشعر يلوذ به:
"يصطفي الشعر سويعاتي الأثيرةْ
فلأُذع سرّي على وقع المطرْ
إنَّ في السُّحب لأنواءً كثيرة
أورثتنيها موارةُ الضجرْ".

وفي القسم الثاني من الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بعمّان، تحضر الثيمة السياسية والقضايا الوطنية والقومية، ومن ذلك رثاء الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي، الذي لم يحتمل رؤية الدبابات الإسرائيلية تغزو بيروت عام 1982، فقام بإطلاق الرصاص على نفسه، كفارس يأبى المذلة والهوان في الأسر. يقول أبو غزالة:
"قــدْ قرأنا للخليل الفاتحـة
وانتهينا اليومَ منْ لفق البكارةْ
وكســرنا كلَّ سـنٍّ جارحةْ
فاقبلينا يا مواخيرَ الحضـارة".

ويتكلم الشاعر عن تقاعس الإنسان العربي ونكوصه عن المقاومة:
"أسـمَعُ الرَّعْدَ فأملا الأذنَ طينا
وأصبُّ الراحَ للغيــدِ وأحسو
منذ ماتتْ فــورة البركان فينا
لا تلوميني، فما عـدتُ أحـسُّ".

ويتحدث عن تلفيق التاريخ بقوله:
"خذْ من الحاكمِ قرطاســاً وحبرا
واكتبِ التاريخَ بالحـرفِ المنمَّقْ
إنَّ تحتَ الحرفِ، لو أنبيكَ، جمرا
يأكلُ الـزخرفَ والثوبَ المُلفَّقْ".
يُذكر أن بسام أبو غزالة وُلد في مدينة نابلس الفلسطينية سنة 1940، درس الصيدلة في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخصَّص في الصيدلة السريرية، التي مارسها ردحاً من الزمن، قبل أن يتفرغ للكتابة والترجمة.
بدأ أبو غزالة في كتابة الشعر في وقت مبكر من حياته، لكنه لم يُصدر فيه سوى ديوان " الرباعيات". كما أصدر مؤخراً رواية بعنوان "العشق المر"، إلى جانب أكثر من عشرة كتب مترجمة؛ في السياسة والتاريخ والتراث العربي القديم، من أبرزها: "التاريخ الشعبي للثورة الفنزويلية"، و"اعترافات قاتل اقتصادي".