[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedabdel.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد عبد الصادق[/author]
” في 14 مايو عام 1688 الموافق (13 شعبان 1099 هجريا) وصل أنجلبرت إلى مسقط وهنا يشير إلى عادة عند العمانيين في ذلك الزمان وهو أن السفن القادمة إلى الميناء لا تدخل إلا في النهار ما حدا بهم إلى انتظار الفجر للرسو على ميناء مسقط , ويشير إلى أن مسقط كانت محطة للكثير من التجار الذين قدموا إليها من مختلف بقاع العالم حيث التقى بتاجر أرمني وأقام معه لمدة يومين ,”

شكلت مسقط محطة حضارية مضيئة أثرت تاريخ منطقة الخليج العربي وغرب المحيط الهندي منذ قديم الأزل واجتذبت العديد من العابرين والرحالة الأوروبيين للتعرف عليها عن قرب, ومن تلك الكتابات والرسومات المهمة ما قام بتدوينها الرسام الألماني (أنجلبرت كامبفر) الذي زار مسقط في طريق عودته من بلاد فارس متجهاً إلى هولندا حيث أوفده الملك شارل الحادي عشر إلى أمبراطور فارس في محاولة للتحالف معه لوقف تمدد الدولة العثمانية, وبعد أن مكث ما يقارب العامين في البلاط الفارسي تمكن خلالها من دراسة اللغتين الفارسية والتركية.
كان ذلك في عام 1688 ميلادية (عام 1099 هجريا) اي في عهد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي واحتوى تقريره الكثير من المعلومات حول الحياة بمسقط في تلك الحقبة التاريخية, وينقل لنا العادات والتقاليد العمانية وأهم المنتجات المتوافرة في سوق مطرح وصولا إلى أسعارها ومقارنتها مع باقي الأقطار المطلة على المحيط الهندي.
في 14 مايو عام 1688 الموافق (13 شعبان 1099 هجريا) وصل أنجلبرت إلى مسقط وهنا يشير إلى عادة عند العمانيين في ذلك الزمان وهو أن السفن القادمة إلى الميناء لا تدخل إلا في النهار ما حدا بهم إلى انتظار الفجر للرسو على ميناء مسقط , ويشير إلى أن مسقط كانت محطة للكثير من التجار الذين قدموا إليها من مختلف بقاع العالم حيث التقى بتاجر أرمني وأقام معه لمدة يومين , كما يتحدث الرحالة الألماني عن التحصينات الدفاعية في ميناء مسقط وعن الطراز المعماري وكيف أن الجدران كسيت بالجير (الجص) الأبيض وذلك لغرض الزخرفة والتزيين.
ويتحدث (انجلبرت) عن وجود نظام لتوزيع المياه الصالحة للشرب في مسقط ؛ حيث إن المياه تتوافر في التلال القريبة من المدينة ثم تجمع في قنوات لتصل إلى خزانين كبيرين بقرب الميناء تتزود منهما السفن بالمياه الصالحة للشرب, وكان عليهم دفع ثمن المياه التي تزود بها السفن.
يتطرق (أنجلبرت) بعد ذلك إلى وصف حصني الجلالي والميراني ,ويقول:"إن أحدهما به مسجد , ويشير إلى سكان مسقط في تلك المرحلة حيث يقول : كان أغلب سكان مسقط من العرب وبها جالية من البانيان (وهم الهنود القادمون من كوجرات), كما أشار إلى وجود تاجر إنجليزي يتاجر في البخور والصمغ كان ينوي الرجوع إلى انجلترا عن طريق أصفهان ولكنه استقر في مسقط , ويشير الرحالة الهولندي إلى وجود مبنى كان ديرا للعبادة إبان الغزو البرتغالي لمسقط و أصبح مقرا للإمام الذي كان يزور مسقط كل ثلاث سنوات ( يقصد هنا الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي لأن وقت الزيارة كان في عهده).
يصف (أنجلبرت) سوق مسقط الذي كان بعضه مغطى وبه أجود أنواع الحرير والتوابل والفواكه مثل المانجو المحلي ويقول بأنها أحلى ثمار مانجو تذوقها في حياته وقد اشترى 100 ثمرة مانجو بمحمدية واحدة (عملة كانت مستخدمة في ذلك الزمان). كما اشترى كمية كبيرة من الرطب مقابل 11 محمدية فقط شاملة أجرة النقل إلى السفينة. ويشير إلى وجود أنواع مختلفة من الفواكه والخضار مثل الليمون والبصل والثوم والبيذام ويشير إلى توافر اللحوم في مسقط ويقول بأن الأسعار في مسقط جيدة جدا إذا ما قورنت بباقي الأقطار المطلة على المحيط الهندي.
وعن النضال العماني ضد المستعمر البرتغالي يشير (أنجلبرت) إلى لقائه بابن الإمام (بلعرب بن سلطان اليعربي) الذي كان مسؤولا إداريا على مسقط؛ حيث سأل ابن الإمام الرحالة أنجلبرت عن وصول البرتغاليين وإغارتهم على إحدى القرى الساحلية الفارسية وأكد ابن الإمام بأنه لا يخشى على مسقط من هجمات البرتغاليين ؛ حيث إنه توجد حامية عسكرية قوية في مسقط وقد شاهد (أنجلبرت) مائتي مقاتل عماني يتدربون يوميا على القتال و أعدادا كبيرة من المقاتلين العمانيين الذين يحيطون بالمدينة المحصنة. وأشار إلى أن الإمام أسر ابن سلطان المغول عندما هرب من الهند والتحق بمسقط حيث وضعه الإمام تحت الإقامة الجبرية حتى تمت إجراءات تسليمه إلى أبيه (السلطان أكبر سلطان المغول) وهنا إشارة إلى مكانة مسقط كحاضرة مهمة على حوض المحيط الهندي وكيف أنها شهدت حراكا اقتصاديا وسياسيا مهما في تلك الفترة.
ويعرج (أنجلبرت) إلى وصف الإنسان العماني في تلك الحقبة ولباسه ؛ حيث يشير إلى أن العمانيين كانوا نحفاء الأجسام يلبسون جلابيب فضفاضة ويلبسون الخناجر وعمائم بيضاء يتدلى طرف منها , ويحملون سيوفا طويلة وبنادق طويلة جدا .
وهذا مدعاة للاستغراب حيث دأب العمانيون قديما على استخدام سيوف قصيرة تشبه السيوف اليمانية وبالنسبة للبنادق الطويلة فهي عبارة عن البنادق المعروفة في عمان وتسمى (أبو فتيلة) وتعد من أقدم البنادق التي استخدمت في العالم وهي بدائية جدا ويتم تلقيم السلاح بالبارود والرصاص من أعلى الفوهة , ودخلت إلى عمان إبان الغزو البرتغالي للمحيط الهندي .
وقد رسم أنجلبرت لوحات نحاسية لمسقط ويعد أحد أهم الرحالة الذين زاروا مسقط في تلك المرحلة وكان بجانب إجادته للرسم عالما في الطبيعة والفيزياء و فيلسوفا وسياسيا حيث انتدبه ملك هولندا سفيرا إلى البلاط الفارسي وذلك في محاولة للتحالف مع أمبراطور الفرس لغزو تركيا ولكنه لم يفلح في تحقيق أهدافه من الرحلة لكنه عوض ذلك وتمكن من تعلم اللغتين التركية والفارسية وكانت الأخيرة لغة مهمة في حوض المحيط الهندي حيث اتقنها التجار الهنود والسيلانيون والعرب وغيرهم.
وقد ندب ابن الإمام في مسقط أحد التجار اليابانيين للترجمة لإنجلبرت. وقد زار مسقط في رحلته من فارس إلى اليابان ... وتعتبر كتاباته ذات أثر تاريخي مهم للدول التي زارها .
وقد شهدت عمان في الفترة التي زارها أنجلبرت تطورا اقتصاديا نتيجة توحد العمانيين في مواجهة الغزو البرتغالي وقد شن الإمام سلطان بن سيف حربا ضروسا على البرتغاليين وطاردهم في حوض المحيط الهندي وكانت أحد أبرز معاركه مع البرتغاليين في خليج عدن. وقد سار الإمام بلعرب بن سلطان على نهج ابيه وعمر عددا من القلاع والحصون والقصور أبرزها حصن جبرين الذي يعد تحفة معمارية نادرة شاهدة على عظمة عمان وشموخها حتى الآن.