[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
تعد الأسرة نواة المجتمع، وجزء لا يتجزأ من عقده، فتماسك العقد وترابطه يتوقفان على قوة العلاقة بين أفراد الاسرة الواحدة التي يتشكل منها ذلك العقد، وانحلال فصوص العقد وضعف صفوفه وتخلخل موقفه دلالة على ضعف التماسك وانهيار صف الاسرة، وذلك انعكاس لسلوكيات الأبناء، خصوصا حينما تكثر في عالم اليوم شكاوى الأباء وتذمرهم من الأبناء وهو أمر سبق وأن طرح في هذا العمود مرارا وتكرارا، إلا أنّ طرحه اليوم مجدّدا سيكون بمثابة التّذكير، و"الذّكرى تنفع المؤمنين".
والأمر هنا يتعلّق بتربية الأطفال منذ نعومة الأظفار خصوصا حين نعتبر الأباء هما المدرسة الأولى التي يستقبل الطفل بواسطتهما دروس الحياة، وهي مرحلة يخطئ الكثيرين في تسييرها إمّا بالتّفريط وإمّا بالإفراط، وكلا الأمرين من سلبيّات التّربية، إذ خير الأمور أوساطها. وما نريد الحديث فيه هو إهمال التربية السلوكية للأطفال منذ الصغر فيشبون على سلوكيات خاطئة فيمشون في الأرض بسلوكيات تتنافى وطبيعة الانسان وذلك حين تصبح سلوكيات الأباء انعكاس وغرس في صفحات أبناءهم البيضاء طبقا للفكرة الافلاطونية القائلة بأنّ الطفل يولد صفحة بيضاء فأبواه يطبعان عليها السلوكيات بجميع مستوياتها.
لنعد إلى مسألة "الإهمال أو اللامبالاة في تربية الصغار" فنقول إنّها مرتبطة وثيق الارتباط بثقافة الأباء وسلوكياتهم في الحياة التي يجب أن تكون فنّا في تربية الأطفال يجب حذقه، لما له من أهمية في تكوين النّاشئة نفسيّا واجتماعيّا، وإهماله يمكن أن يؤدّي إلى خسائر جسيمة لا تحمد عاقبته، وقد لا تقتصر سلبيّات هذا الإهمال على الآباء أو أفراد الأسرة، وإنّما تعمّ البلاد كلّها، إذ يتحدّد المرء بأخلاقه قبل كلّ شيء، ومصنع هذه الأخلاق هو الأسرة، وقد عبّر عن ذلك الكاتب السوسيولوجيّ الفرنسيّ بيير بورديو Pierre Bourdieu بمصطلح "هابيتوس Habitus"، الذّي يعني سلوك الإنسان الذّي يناله الفرد في أسرته، فيصبح ملصقا به مثل بطاقته الوطنيّة. فكلّما يكون هابيتوس المرء سيّئا فإنّ شخصيّته تظلّ كذلك سيّئة.
لنرجع مرّة أخرى إلى مسألة "إهمال التربية" والتي تعني في الاستعمال العامّ أن الآباء يمنحون أطفالهم حريّة التصرف والفوضى والازعاج أمام الناس برفقة أبائهم وذلك في المساجد او المجالس او الشوارع او الأسواق، والعجيب ما يتحلى به بعض الأباء من موافقة علنية لسلوكيات أبنائهم تدفعك لأن توقف مثل هذه المهزلة في ظل وجود الآباء وهم لا ينبسون ببنت شفه.
نطرح هذا الإشكال بعد أن لاحظنا أنّ معظم الآباء يسكتون عن حماقات أبنائهم وهم يرتكبون الأخطاء في دور العبادة أو في المراكز العامة، وقد يصل الأمر ببعض الأولياء إلى درجة اللامبالاة التّامّة، فلا يسأل ابنه ولا يزجره ولا يؤدبه وتناسى بأن تربية الطفل تبدأ قبل ولادته بعشرين عاما.
إنّ ما نختم به حديثنا هو الدّعوة إلى الوسطيّة في التّعامل مع الأطفال، ولكن في الآن ذاته يجب أن نعرف أنّ حياتهم تنشأ في الأسرة ولكنّها تتواصل خارج الأسرة، وإن لم نعلم أبنائنا في الصغر، سيتعثرون في الكبر. وعلى هذا ينبغي أن ننقي سلوكيات أبنائنا ونهذبها ونغرسها سلوكا حميدا يمشون به بين الناس ولنتذكر أن التربية الإنسانية لا تتم إلا إذا هيأتها الأسرة وحافظت عليها.

[email protected]