كنت طفلة صغيرة لا تتجاوز الأربع سنوات، ولا أعلم لِمَ تستهويني أغنية فيروز: أنا وشادي غنينا سوى لعبنا على الثلج وسهرنا سوى.. كانت وما زالت هذه الأغنية عالقة بذهني وتتردد على مسامعي، وعند خلوتي مع نفسي أتغنى بها، كبرت وكبرت معي كلماتها المتناغمة والتي تسرد قصة طفلين.أصبحت زوجة وأمًّا وما زلت أرددها... إلى أن فقدت إحدى ذكريات طفولتي المزهرة، المفعمة بالحب والشقاوة والمرح والبراءة، عندما جاء على مسامعي مساء الثلاثاء 4-4- 2017م خبر وفاة نصر بن محمد بن هاشم الطائي ـ رحمه الله ـ انتابني إحساس غريب ما بين الدهشة والصدمة، والوقوف مع ذكريات مضت بسرعة لم أشعر بها قط. نعم قمت بقراءة الرسائل الواردة إليَّ عبر الهاتف العديد من المرات للتأكد من الخبر علَّ وعسى أن أكون قرأتها خطأً، ولكن مشيئة الله تعالى فوق كل شيء، نعم إنه نصر رفيق وصديق الطفولة.فنصر لم يكن فقط قريبي... فكان أخي ورفيق تلك الطفولة الحالمة واليتيمة المتأملة لمستقبل مليء بالأمان والطمأنينة، والتي جمعتنا أنا وإياه كلينا من يتم الأب وسند الحياة.. لي ذكريات معه لا تنسى، لي أحاديث معه، ملامح وجهه وهو طفل تراودني بين الحين والآخر، ابتسامته البريئة المفعمة بالمرح والهدوء بت أتذكرها، وكأنني ما زلت طفلة تلعب بأرجوحتها وتتطاير جدائلها.نعم يا نصر.. نعم أيتها الطفولة المفقودة.. كنا نلعب معا، نركض، ونقفز، نتحدث.. فنصر لم يكن مجرد قريب أو ابن ابنة عمي وابن خالي، بل أخي هو طفولتي بأكملها التي أشغلتني عنها وعنه مشاغل الحياة.آه يا نصر، كيف لهذه الحياة؟ أبعدتني عن طفولتي التي ارتبطت بك.. كيف لي أن أسامح نفسي ببعدي عن ذكرياتي الجميلة، فمشاغل الحياة وظروفها تجعلنا نهمل جانبا مهما من حياتنا ألا وهو الطفولة، كبرت وتجاهلت طفولتي قمت أسابق الزمن ولم أنظر للخلف، كبرت ولم أشعر بالشوق لها.. إلى أن جاءني خبر وفاتك يا نصر يا أبو محمد، وزهوة، وفوز.. في هذه اللحظة وقفت بي عجلة الزمن، ونظرت للخلف، نظرت للصور الجميلة في حياتي، نظرت للبراءة والمرح والسعادة، فتبادت لي ذكرياتي معك التي جاءت تداعب ذهني ووجداني وخافقي، نعم.... تذكرتها وكأنها بالأمس القريب.كيف كنا نلعب بمنزلنا ونحن نقفز بشقاوة الأطفال إلى أن ارتطمت أنا بزاوية جسم حاد.. وكيف أنت ركضت لتستنجد والدتك ووالدتي .. وكيف قمن بإسعافي ومعالجة الدم الذي ينزف من وجهي بغزارة مما أحدث في ملامح وجهي علامة صغيرة بارزة أصبحت بصمة لكي أذكرك بها، وبلعبنا معا وشقاوتنا وطفولتنا وبراءتنا... لأشعر بأن طفولتي الضائعة والمفقودة ما زالت في وجداني وروحي.الآن عرفت لماذا أغنية شادي كبرت معي.. ليس إلا لأنها واقع لي ولطفولتي معك، رحمك الله يا نصر، رحمك الله يا أخي ورفيق طفولتي.رفيف بنت عبدالله الطائي