[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]
ينطلق حديثنا عن هذا الموضوع، من الدور المحوري الذي تتبوأه السلطة الرابعة في مسارات الوعي الاجتماعي، وتشكيل الرأي العام وتوجيهه، وبناء أرضية معرفية ومعلوماتية داعمة لفرص التحول في مسيرة العمل الإنساني، وباتت الرسالة الإعلامية اليوم أكثر من كونها فنونا إعلامية إذاعية وتلفزيونية وصحفية، لتشمل بيئات مفتوحة وشبكات تواصلية اجتماعية وتطبيقات الكترونية في الهواتف الذكية وغيرها، كما تعدت الممارسين المحددين لها ممن يشتغلون فيها بصفة رسمية أو عبر مؤسسات إعلامية خاصة، كالإعلاميين والصحفيين والمذيعين في نشرات الأخبار أو مقدمي البرامج ومعديها، إلى أن أصبحت رسالة إنسانية أخلاقية تضع الجميع أمام مسؤولية الكلمة ومصداقية الصورة ونقاء البوح، خاصة في ظل معركة التفوق التي يتقدم فيها الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي على الإعلام التقليدي، والتي أخرجت الإعلام من قالبه المحدد ومؤسساته المعروفة، إلى أن أصبح سلوكا يوميا يمارسه الجميع ويتحدث فيه كل شخص، لذلك باتت عملية تقنينها ووضع الضوابط للممارسين لهذه الرسالة أو الداخلين فيها والمؤثرين في الرأي العام،أولوية تتطلب تكاتف الجهود المؤسسية الوطنية في إبرازها في واقع العمل الإعلامي، بما يضمن التزامهم معاييرها وارتباطهم بأخلاقياتها واندماجهم في أولوياتها وفلسفة عملها.
على أن هذا التحوّل بالرغم من أنه منح الرسالة الإعلامية فرص الاتساع والتنوع في المداخل، والتعددية في لغة الخطاب وآلية التعبيروالتطوير والتجديد المستمر، والاستجابة الفورية للمعطيات، والمرونة التي أكسبتها الانتشار والتعمق وفرص الظهور والتسويق، وتعدد اتجاهات المشاركين بها والمساهمين في بنائها؛ إلاّ أن ذلك أيضا أدخلها في متاهات السطحية ، ودخول غير ذوي الاختصاص فيها، مما جعل الكلمة تبتعد عن مقصدها وغاياتها وأهدافها في أحيان كثيرة، وبات من الصعوبة حصرها أو تقنينها بالشكل الذي يضبط مسار عملها، أو يوحّد اتجاهات وتوجهات القائمين عليها، للوصول معهم إلى رأي مشترك حول قضية ما، فاتسعت بذلك دائرة الاجتهاد، وضاعت هوية الكلمة وقيمتها، فدخلتها الشائعات وحب الظهور والظواهر الصوتية التي لطالما لم تستطع المواجهة، فتعمد إلى الانسحاب من الموقف أو تتعمد إثارة بعض القضايا على سبيل الفكاهة والنكت والضحك، أو إثارة الرأي العام بدون إمعان النظر لمصداقية العبارة أو وزن المضمون، في ظل إدخال الرسالة الإعلامية في قضايا خارجة عن إطار الذوق والمألوف من الطباع، أو المروءة والمثل والأخلاق، فابتعدت عن الهدف وضاعت عن المسلك، هذا الأمر ارتبط أيضا بصفة الممارس الإعلامي نفسه، حيث أصبحت تطلق على كل من برع في نجوم الكلمات الرنانة أو العبارات السلبية، أو الحوارات التهكمية والاستفزازية، أو لظهوره في التعليقات العامة على الأحداث، ليُزجّ به في دائرة الممارسين الإعلاميين، هذا التحول كما أشرت بالرغم من أنه وسّع من دائرة الاهتمام والمعرفة في الرسالة الإعلامية؛ إلا أنه في المقابل أفقدها الثقة وضيعّها في موازين السطحية والشهرة ، ومن يحملون في جعبتهم النقد اللاذع، وسياسة التهجم على المؤسسات والمسؤولين، ورنين الكلمات المثيرة للجدل،وسياسة خالف تعرف، والتي أصبح الناس يتهافتون حول كتاباتهم، ويتسابقون في نشرها وتداولها وتناقلها، فضجّت بها شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها في تفسيرها وإبداء وجهات النظر والتعقيبات حولها، إذ يجد في واقعه المجتمعي ثقافة تمجد الرسالة المضادة، وتصنع منها مجالا للشهرة وفرصة لرفع الأسماء، واتجاه الأنظار نحوها، ليصبح ذلك سلوك العامة والخاصة من المثقفين والكتاب والتربويين وممن يرسمون التطوير وينادون بالحريات، بدون مراعاة لقيمة الكلمة وضمير العبارة ، وهوية المجتمع وثقافته، وأذواق الناس، لتنبري الكلمة من غير رادع، وتضيع الرسالة في التأويلات ، وتدخل المشاعر السطحية في المعالجة، وتبدأ حالة من الامتعاض الشعبي عبر الأحكام المسبقة والتعميمات التي قد تصل إلى الذين يمارسون هذه الرسالة بكل مهنية وإخلاص.
عليه كان من الأهمية البحث في وجود ميثاق أخلاقي وطني للممارسين للرسالة الإعلامية في تشعبها واتساعها، يحدد أهدافها ويضبط مسارات عملها، ويوجه مداخلها وفق معايير الايجابية والتفاؤل، والصدق والموضوعية، والدقة والاحترافية والمهنية، والشفافية والوضوح، تتجافى مع كل صيحات الاغتراب ودعوات الحرية غير المضبوطة، عبر إطار مقنن يحمل أدوات التجديد، ويبني فرص التطوير، ويمنح الذات مساحات المراجعة وإعادة التصحيح، ويضعها أمام مساءلة قانونية وأخلاقية ومجتمعية، لتبقى مسؤولية الكلمة في البحث عن صدق الخبر ونشر المعلومة الصحيحة، ويفتح الآمال لابتكار مسارات أفضل، تنقل التغيير في ذات الممارس لمضمون الرسالة الإعلامية ليثبت أنه قدر الكلمة وأهل لها، فتتعزز الثقة وتنتشر الفضيلة، المعبرة عن طيب الكلمة، وتزول أوهامها وأفكارها التي باتت تروج الوجه المظلم، وتضع الجميع أمام رحمة الأفكار المعلبة والمعلومات الجاهزة والشائعات المثيرة المسيئة، بما يضمن وعي القائمين على هذه الرسالة به، وادراكهم لمقتضياته، وفهمهم لحدوده، وإدراكهم لبنوده وآليات عمله، والمساحة التي يتيحها للخطأ أو النسيان، أو حدود الانحراف إن وجدت، وأساليب الردع التي يستدعيها الموقف، ليشكل هذا الميثاق عقد اتفاق، يمنح الممارسين فيه فرص أكبر لاستيعاب مضامين هذه الرسالة ونشرها، بما يحفظ لها هويتها، ويضمن خصوصيتها ويقيها مكامن الريب ويبعدها عن مساوئ الشطط، تحفظ للإنسان حقه، وتبني للوطن مجده، وتعظّم للإنجاز قيمته وتحمل في ذاتها مركب الحياة وسفينتها لتضعها على شط الأمان مباركة بإذن ربها، راعية لحق إنسان هذا الوطن وحرماته، حافظة لحدوده ومبادئه ومواثيقه.