في هندسة الفضاء الشعريتمهيد ضروري لقراءة هذا الشعر؛حيث السؤال جناح للوعي بالعالم الجمالي كله،فإنه من المناسب صياغة بعض الفرضيات/الأسئلة الضرورية ونحن نتجول ونقرأ هندسات سعيد الصقلاوي في مدائن الشعر. ولعل من بينها؛* يقال إن الأقاويل الشعرية باب من أبواب الحوار مع الكُلِّي.فيما تبدو هندسات العالم جدلا مع التفاصيل الصغيرة إلى أبعد الحدود،،كذلك يقال عن بلاغة الرياضيات واللوغاريتم الفيزيائي،،ولكن ماذا يحدث حين يتقاطع الاختبار الهندسي بجَدبات القصيدة؟،،وكيف يبدو العالم من شرفة القول الشعري؟،،* ليست تفاصيل العالم والذات، سوى هندسات رمزية ممتلئة بالزخم السيميائي، تنتقي من بين بلاغات العالم من يتبناها ويقول أصواتها،ولعل هذا يصدق، أكثر ما يصدق،على تلك العلاقة الخفية التي نجدها بين الشاعر وقبائل القول الشعري،،هكذا فالشاعر،وكما يقال، لا يختار وجهه،بل هندسات القصيدة ،كفعل وجودي قائم على تكثيف التفاصيل وتقعيرها،هي من يختار الشاعر وينتقيه، ليشكل قسماتها وتشكل تفاصيله،، وليست تفاصيله سوى وقع العالم وهندساته على وعيه ووجدانه،،* ولعل الأبعد من هذا كله، ذلك الادعاء الذي يجعل وشائج عميقة بين المفكر والشاعر،حيث تنهدم تلك المسافات الموهومة بين الفكر كتجربة استعارية، والشعر كوعي هندسي رياضي لتفاصيل العالم وكلياته معا،،لذلك يقولون إن الشعر، الذي هو ميدان لخرائط الكُلِّي ،غير مكتفٍ بسبب طبيعته الرمزية السيميائية، بخط الوجود،بل يتجاوزه إلى النقطة السرية المحجوبة، إلى الوحدة الباذخة التي تتماهى فيها حكايات الحياة ،،* إن خرائط الذات والعالم عبارة عن خزائن مفتوحة لانهائية،بما يجعل الطبيعة الجوهرية للقول الشعري ممهورة منذ البدء بالانقذاف نحو الولادات الرمزية التي تستدعيها تلك الخرائط الاستعارية المفتوحة،،ومن هنا سردية القصيدة وانبثاثها الأول في خاصية سرد هندسات العالم وهي تتفاعل مع وعي الشاعر الذي يصوغ مدائنه وخراطئه على هيئات مفتوحة دائما ،،بل لهذا السبب يقال إن النصوص السرية بكل تلاوينها وتجنيساتها توائم للقصيدة الشعرية،،* يغير القول الشعري دائما تعريف ما يراه ويفكر فيه،،لذلك تتغير طعوم الأشياء والعلاقات من حوله،فتتغير هندسات العالم والحياة وتبدو قشيبة للغاية، لذلك فإن حركة القصيدة ليست محدود يثغر مخصوص، فالعالم والمجتمع والطبيعة والناس وأهواءهم وتمثلاتهم،، كل ذلك يمكن أن يذوب كليا في صهارة القول الشعري ،الذي غالبا ما يقترح هندسات استعارية لكل ذلك،،* رغم ما يشاع عن الشعر بكونه كائنا نخبويا بامتياز،إذ هو ليس لغة الكل،بقدر ما هو ميدان للكليات،فإنه ينبغي تحديد بعض التفاصيل الثقافية لتوضيح ذلك،معروف أن القول الشعري يمتلك بطبيعته الخفية لغات معرفية عليا،على غير ما قد يُعتقد،فهو،إذن يتسلح بالاستعارات،ينحو إلى المشاركة العميقة في إنتاج المعرفة بالذات والعالم،حيث يكون بذلك جزءا مكونا أساسا للمعرفة الإنسانية،فيما هو يمتد بطبيعته ليتعالق بقوة،مع مكونات معرفية عليا كذلك،،لعل في مقدمتها؛الفلسفة والتاريخ والفيزياء والرياضيات،،كما أنه معروف عن القول الشعري ، بأنه مكمن التفاصيل الهندسية المتناهية الصغر،،تلك التي تكون معمار الكليات،،فكأن القصيدة الشعرية بهذا المعنى،شجرة رياضية معمارية،تعيد قراءة التفاصيل عبر شجرة تجنيسية لامتناهية،تجعل من كليات الذات سلالة وجودية تتراتب بحسب منطق الشعر من أعلى مقامات الأجناس العليا،إلى أنواعها الهندسية المتوسطة ثم السافة،إلى غير انتهاء،،* ليست الهندسة الشعرية خطا مستقيما،بل هي مكان للتدافع الدلالي والرمزي والبنيوي،بما يجعها بصورة بديهية مضمارا لتدافع الممكنات،لذلك يمكن اقتراح صلاحية مفهوم ( هندسة القول الشعري ) لتشكيل جذب ومجال كونيين إنسانيين للشعر العربي،ولكن يصعب الاعتراف بوجود مثل هذا الضرب من الهندسات القليلة سوى لدى تجارب التي تتسلح بالفطرية الطبيعية فيما هي تتوغل في خرائط الجغرافيات الثقافية العميقة للعالم وفنونه،،ثلاث ممرّات لقراءة الشاعر سعيد الصقلاويالممرّ الأول: تستدعي التجربة الشعرية للشاعر العماني سعيد الصقلاوي،جملة من الفرضيات الثقافية والجمالية،التي تتعلق بثالوث ( الذات / النص / العالم )،،أولا لأنها تجربة إبداعية متوغلة في أرومة الذات العربية النجيبة،وثانيا لأن سعيد الصقلاوي يمارس وقوفا بين برزخين كونيين هما الشعر والهندسة،فلا يدري المتأمل من يؤثث الكلمات في بياض القصيدة؛هل هو المهندس القادم نحو الشعر من مدائن الهندسة،أم هو الشاعر المسافر نحو أرخبيلات الهندسات غير المألوفة،،والواقع أن هذا المُقام الشعري البرزخي،يجعل مسكن هذا الشاعر العربي المميز،يتأثث،بتعبير إليوت،بين القصيدة والفضاء القارئ والمقروء في نفس الآن،على اعتبار أن المعنى الشعري الكامن عادة في مثل هذه التجارب يظل مبثوثا بحركيته الدائمة بين الشاعر والمتلقي،،وليس المعنى الشعري سوى تلك الخارطة الهندسية النامية كالنافورة بدون توقف على شفتي القصيدة،،وإذ الأمر كذلك،فإن القارئ لتجربة سعيد الصقلاوي،يجد نفسه مدفوعا إلى مصاحبة بعض الأسئلة المعرفية المساعدة على الاتصال بأرخبيلاته الاستعارية الفطرية،ولعل منها؛مع من تنزع هندسات تجربته الشعرية إلى التواصل معه؟،،من هو هذا الآخر الذي تستكمل تجربة الصقلاوي مع الشعر ذواتها الهندسية الملتبسة؟ما معنى التواصل مع هندسات العالم في تجربة الصقلاوي مع الشعر؟،هل هو تواصل ثقافي؟،هل هو تواصل معماري رمزي؟،هل هو تواصل روحي أم استعاري أم هما معا؟،،ويمكن تحصيل مثل هذه الأسئلة المتناسلة عبر مداليل كونية قاربتها تجربة سعيد الصقلاوي الشعرية،لعل من أبرزها؛* أهمية الأطروحة الكونية القائلة بأن الخيال الشعري وطن للحرية،بقدر ما إن الحرية وطن للشعر ،حيث تتبدى هندسات الذات والعالم مفتوحة على اللانهائي.* أهمية الرومانسية الهندسية للكون والذات،باعتبارها ثورة وجدانية لإعادة تأثيث النص والأشياء،وصناعتهما على غير مثال سابق.* أهمية الرهان على ماء الشعر الذي هو مخيالها الأساس،بما يعطي الفرصة مع هذا الشاعر العربي المميز لصفاء القصيدة ـأن يعرب عن ذاته،بعيد عن حالات التكدّر والهجانة السالبة،،الممرّ الثاني: وقد نصوغه عبر تساؤل إشكالي،وهو؛ ما معنى أن يكون الشاعر مهندسا؟،،على أننا هنا سنجترح محاولة للحوار معه،لا الإجابة عنه،،وستكون هذه المحاولة الحوارية مركَّزة ومنجّمة قيد هذه الورقة،على هيئة فرضيات لا غير،،* يقولون عن أفلاطون أنه،ربما،ارتكب خطأ وجوديا حين طرد الشعراء من جمهوريته،،على أن أرسطو صحح مسار الخطأ وأعادهم إلى ساحته الرئيسة،حين اعترف بأن الشعر أعمق من التاريخ وأفصح من الفلسفة في كتابة العالم،بشرط أن تتوفر في مجتمع الشعراء النية الواعية العميقة في اجتراح الشعر،أداة لتعريف العالم من جديد،،على أن هناك أفترضا محتملا مفاده؛ربما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته لأنهم كانوا مهندسين استثنائيين،يعيدون تأثيث الحواري والأمكنة،ويعيدون تعريف فضاءات الآلهة الإغريقية على غير مثال هندسي سابق أو نموذج أنطولوجي محدد،،* يستدعي هذا التساؤل أسئلة قاعدية تبدأ من الأول،وهو؛ما معنى أن يكون الشاعر مهندسا؟،هل ثمة تعارض بين الحكيم والشاعر؟،ألم تكتشف الفلسفة بأنها بحاجة إلى الشعر لتقول هندساتها الذرية؟،التاريخ يقول بأنه كان على الحكيم دوما أن يتعلم من الشاعر الشيء الكثير،بسبب انخراط هذا الأخير في خوض التجربة الروحية تلو الأخرى كي يعيش أسئلته لا مجرد طرحها جدليا ومنطقيا،وبالتالي فإن هندسات الذات والعالم من زاوية الشعر تبدو أكثر كثافة وتأثيرا،حيث الشاعر يقول تاريخه تفاصيل رحلته الروحية بطرائق محايثة لطعوم الألم والفرحة،وهنا يصبح بالإمكان تذوق النص وتمثلاته لا مجرد فهمه واستيعابه،،هكذا تستوعب الحكمة،رغم علو شأنها،بأنها،لكي تتحقق وتكتمل،لابد أن تتجسد كأثر فني،،وهنالك تزدهر وتنمو في جغرافيات العالم الثقافية كأكثر القصائد جرأة،،القصائد التي بقدر ما تسافر بعنفوانها إلى الأقاصي،بقدر ما تقيم هناك طويلا،،ومن هنا يمكن الفهم،كيف أن أرسطو،وهو من سلالة أفلاطون،خرج على المهاد الفلسفي الأول،ليعيد الاعتبار للشعر،فيجعله جزءا مركزيا من نسق المتصل المنطقي،،* يمكن القول بأن الأرخبيل المكين الذي تسكن الكينونة الشعرية في خرائطه الهيباء هو اللغة،لذلك لا تشع هذه الكينونة وتلمع مثل النجم النوراني سوى في آثار الشعراء الفطريين المغرقين في هندسات الذات والعالم،،كما يمكن القول بأن الهندسة ( كلغة تأثيل للفضاء الإنساني كله،وكلغة تشييد للهجات الذات المبدعة )،هي أكثر القصائد جرأة،وهي الموسيقى الأكثر تناسقا في الكون،بل إنها مجمع الهيئات والأشكال والأبعاد والظلال من كل صوب،،وبسبب وجود الحدس الهندسي في تجارب الشعراء،تتصالح الأقطاب العصية فيصبح كل فن علما وكل علم فنا،وكل قصيدة هندسة،وكل هندسة قصيدة،،بما يعني أن وصول الكبنونة الشعرية لحد الامتلاء لا يتم في هذا السياق سوى عبر وحدة الشعر مع الهندسة،والتحام القصيدة مع مدائن المعنى واستعاراته،،ولعل السبب الأهم في هذا الالتحام هو أن كلا من الهندسة والشعر يسكنان في الجوار ذاته،،وفي لحظات نادرة من لحظات الشعر،يحدث أن يتحقق التماس أحيانا،أو التقاطع أحيانا أخرى،مع شاعر له خصوصيات المهندس،،ومهندس له خصوصيات الشاعر،لسبب بسيط يتمثل في أن كلا من الشعر والهندسة يعشقان المسافات والأبعاد القصية،،رغم أن سطح التأمل يغري بالقول بأن الشاعر لن يتعلم سوى القليل من المهندس،بينما يكون على المهندس غالبا أن يتعلم الكثير من الشاعر،،على أن هذه الفرضية الفلسفية تحتاج إلى الكثير من إمعان النظر والترتيب لتصبح معادلة متوازنة ،،ولكن يبقى التساؤل في هذا السياق الاستعاري دائما مطروحا،،أي مدينة أو أرخبيل من الأرخبيلات الهندية الكونية يمكن أن تحاور الشاعر وتصلح هواء مناسبا له؟،يمكن التأكيد بلا تردد،بأن الهندسة الأكثر عراقة هي هندسات الحرية،،وهذا المعنى هو ما لعله يستدعي معادلة قريبة مفادها أنه؛كلما صار الشعر هندسة وعلما هندسيا،كلما أغرق بعيدا في شعريته،بما يعني أن الهندسة في سياق الشعر تكتمل كأثر فني،وأن الشعر في سياقه الهندسي يكتمل كقانون تأملي فلسفي فضائي،،الممرّ الثالث: وقد نصوغه على هيئة سؤال جنيس عن السابق،وهو؛ما معنى أن يكون المهندس شاعرا؟،،الحق أنه ، ( ومن الزاوية التي تجاور هذه الورقة معها،تجربة الشاعر سعيد الصقلاوي) ،ينبغي طرح عدد من الأسئلة الثقافية ذات الصلة،وذات الملمح التأسيسي،،ذلك أن التساؤل عن معنى أن يكون المهندس شاعرا،يقتضي الحوار مع أسئلة مبدئية،يخيل للبعض أن التفكير النقدي والفلسفي فرغ منها،،وهذه الأسئلة الثقافية البديهية هي؛ما هي حقيقة الشعر ارتباطا برمزية الهندسة؟ما معنى أن يكون الإنسان شاعرا قادما من بلاغات فضائية وفيزيائية رياضية؟كيف يبدو تبدو التفاصيل باهرة من شرفة شعرية صممها مهندس مفتون بالتفاصيل الصغيرة؟.الواقع أن الإنسان ،بما هو إنسان، محكوم وجوديا،بحاجته الأولية إلى الشعر وتفاصيل الهندسة،،الشعر يبدو حاجة مركزية للكائن ليكون بإمكانه تأثيث تفاصيل وجوده ضمن نسق مقبول يوحى بالأمان والطمأنينة،،وليست الهندسة سوى نزوح نحو تلك التفاصيل الصغيرة للفضاء الداخلي للذات والعالم،من أجل منحها انتظامها المختفي،وتلقيحه في أفق ابتداع منظومات فضائية جديدة تنمو باستمرار،،ولعل ما ييسر فهم هذه العلاقة السرية بين الشعر والهندسة،الملاحظات التالية؛* الشعر،من خلال تجربة الشاعر الصقلاوي، نتاج لحركة النفس،وبالتالي فإن الأمر معها ومعها ما يشبهها من التجارب الشعرية،لا يتعلق بوظيفة ظاهرية مسكوكة للشعر،إذ ليس من وظائف الشعر أن يحاكي هندسات الواقع ( الذي هو معمار الذات وما يحيط بها )،وهكذا فالمحتوى الشعري لهذه التجربة الإبداعية هو المحتوى الوجداني والنفسي والفلسفي وقد تفاعل مع معمار الذات وهندساتها من أجل اقتراح مسافة جديدة لنموها.* هكذا فالشعر مع سعيد الصقلاوي،ومن يضاهيه من الشعراء المهندسين،يحتفل بأفق إضاءة الروح الهندسي من الداخل،وهكذا يبدو القصيد معه حاسوبا كونيا لقياس عافية الشعر،وكما هو معروف فإن عافية الشعر دليل على عافية الإنسان والعكس بالكسط صحيح بل مطلوب.* مع البعد الهندسي للقصيدة التي يجترحها سعيد الصقلاوي،تبدو لهجة الشعر،كما اللغة نفسها،من أعظم النعم الوجودية التي منحت للإنسان،من أجل التمكن من رسم شكل هندسي مقبول لوجوده داخل الفضاء،حيث تنتقل الأسماء مع مثل هذه التجارب إلى مقام العلامات السيميائية التي تمتطي السهل الممتنع،،وهو لعمري من أشد رهانات الشعري العربي المعاصر.* لكي يحقق الشعر بعده الهندسي،يأتي الشعراء المميزون من أمثال سعيد الصقلاوي ليبثوا إلى العالم سربا من القصائد الشعرية تقوم أساسا على مبدأ توقير الصورة،واكتشاف المنابع الدلالية الفطرية الأولى للغة،حيث تطلق اللغات البكر الكلام الإنساني من عقاله الأول،،فيصبح الشعر مع هذه القصائد حساسية متجذرة في الذات التاريخية ومقيمة في المستقبل في نفس الوقت،لتنتج صورة شعرية تعرب عن غريزة الكمال في الذات الإنسانية. سلام أحمد إدريسو