حينما نتحدث عن موضوعٍ كهذا .. تعود بنا الذاكرة إلى الوراء وما كان عليه أجدادنا وآباؤنا خلال حياتهم من الاعتماد على مجال "الزراعة" في الحصول على لقمة معيشتهم ورزقهم اليومي الذي يقتاتون عليه هم وأسرهم .. فتستمر حياتهم بكل نقاء وصفاء من حسن نواياهم وتوكلهم على خالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى .. دونما التفكير في الحصول على رزق الغد .. حيث كان اعتمادهم الأكبر والمورد الأساسي في مكسبهم ـ وقتذاك ـ لأغلب الناس "الزراعة" .. ففيها يظهر توكل ذلك المؤمن حقاً على الله تعالى .. والبركة في الأرزاق .. والسعادة بين الجميع بتعاونهم وتكاتفهم في المجتمع الواحد.
من خلال عنوان المقال .. قرأت قصة أعجبتني .. حيث يدور مضمونها حول نفس العنوان الذي اتطرق إليه والمغزى منه والذي أصبح مثلاً مشهوراً بين الناس .. حيث تقول القصة أو الحكاية .. (أنه يُحكى أن كسرى أنوشروان كان يتنزه في ضاحية عاصمته، فشاهد فلاحاً عجوزاً قد علت سنه، وشاب رأسه، وغارت عيناه، ووهنت قواه، وتقوس ظهره، وكان يغرس فسيلاً، فوقف كسرى بجانبه مأخوذاً بنشاطه فقال له: يا هذا كم أتى عليك من العمر؟ قال: ثمانون سنة، قال: أفتغرس فسيلاً بعد الثمانين؟ ومتى تأكل ثمره وهو لا يثمر إلا بعد عدة سنين؟ فأجاب الفلاح:(زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون)!.
نعم .. لقد عمل أجدادنا وآباؤنا في "الزراعة" .. فحرثوا الأرض .. وغرسوا فيها النخل والأشجار المختلفة .. فأثمرت وأينعت وأوتيت من كل زوج بهيج .. وأصبحنا ـ ولله الحمد ـ نجني ونحصد ثمار تلك النخيل والأشجار .. ونحن نشعر بنعمة من الله ـ جلّ وعلا ـ على ذلك .. فنشكره سبحانه وتعالى على هذه المنّة والعطاء الجزيل .. ولم نتذمر يوماً من فسادٍ في تلك الثمار أو ما يلوثها بأي شئ كان .. وكلنا كنا بخير والحمد لله على ذلك .. لا نشكو من شئ اطلاقاً.
ولو تأملنا جيداً فيما يحثنا عليه ديننا الحنيف على هذا الجانب الهام نجد أنه دعانا بكل فخر واعتزاز إلى الاعتناء بهذه الأرض والحرص عليها لزراعتها وغرسها لنستفيد منها وحتى لا تصبح قاحلة .. ومن ذلك ما يروى عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حينما قال:(إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل) .. كما أوضح الثواب الذي لا يعلمه إلا الله لذلك المزارع المثابر فقال (صلى الله عليه وسلم):(ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة) .. وغيرها من تلك الروايات الأخرى التي تبين مدى أهمية ومنزلة الزراعة في الإسلام والأجر العظيم الذي يناله ذلك الشخص جراء عمله، ولا ننسى أن هناك توجيهاً ربانياً يدعونا جميعاً الى ضرورة استصلاح الأرض وضرورة العمل للإنسان حيث وهبه صحة الأبدان والقدرة على الإنتاج وذلّل له الارض وسهّل له سبل إحيائها.
ومن هذا المنطلق فإن ما أردت التركيز عليه هنا تحديداً القول بأنه يجب علينا أن نعتمد على أنفسنا .. وألا نتكاسل عن زراعة الارض وغرسها .. ولا نقول أن عصرنا يختلف عن عصر أجدادنا وآبائنا ونتواكل على الآخرين .. فنحن أولى من غيرنا في زراعة أرضنا .. والحفاظ على تربتها صالحة نقية دون أن يصيبها أي خطر يهددها أو ربما يلوث مغروساتها وثمارها ـ كما سمعنا ـ للأسف هذه الأيام من ظهور تلك المواد الكيماوية الملوثة على بعض تلك الثمار .. فالحذر الحذر .. أن تعم تلك المشكلة أو المصيبة وتتحول إلى الكثير من تلك الثمار .. ونصبح ـ آنذاك ـ نضرب أخماساً في أسداس .. ونندم حيث لا تجدي الحسرة والندم.

علي بن صالح السليمي
من أسرة تحرير (الوطن)
[email protected]