يطرح موضوع الهوية، جملة من الموجهات في سبيل إدماجها في واقع حياة الأجيال، وتقريبهم منها، وإزالة حاجز الخوف أو اللبس في أشكالها التعبيرية ونماذجها العملية، بالشكل الذي يجعل منها قيمة مضافة لبناء الشخصية السوية، وتأصيل مبدأ العيش معا في عالم سريع التغيير، متعدد الاهتمامات، وبالتالي، كيف يقرأ جيل هذا الوطن وشبابه في الهوية فرص إثبات وجوده، وتحقيق طموحاته وتقدمه ونجاحاته، وتلبية احتياجاته وفرصته للتكيف مع متطلبات العصر ومعطياته، والتوازن في التعامل مع أبعاده الثقافية والاجتماعية والقيمية والأخلاقية ومنظومة السمات والخصائص التي تميز الثقافة العمانية، أو تبرزها بشكل أكبر في سلوك الإنسان العماني، بما يضمن له الاستقرار الفكري والسمو العاطفي، ويكسبه تقدير ذاته وثقة الآخرين في إنتاجه، لذلك تبقى الهوية جسرا يربط الأجيال بماضيهم العريق وتراثهم الماجد، بمستقبلهم المستشرف لآفاق التجديد، ملتصقة بهمومهم واهتماماتهم وطموحاتهم وأفكارهم، فتبني فيهم قيم النضال والالتزام، وتؤصل فيهم قيم المسؤولية والانتماء للإنسانية، وهي غير منفصلة عن واقع التحول الذي عاشته عُمان في عصورها المختلفة، مستفيدة منها في قراءة معمقة لواقعها المتجدد، فهي بذلك لغة جامعة، تقرأ الواقع بروح متفائلة متفاعلة، وتبني للمستقبل منصات يجتمع حولها الفكر الرصين، وثقافة الوعي بالمسؤوليات وحقوق الأوطان، فيضمن بذلك مساحات أكبر من الالتقاء بين الآباء والأبناء، والأجداد والأحفاد، في ظل مشترك الخصائص والمبادئ والقناعات والسمات التي تتميز بها الثقافة العمانية، المرتكزة علىمبادئ التسامح والتعاون والتكافل الاجتماعي والاتصال الواعي مع العالم الخارجي، وفتح قنوات التعارف الكوني، وتعميق فرص التعايش والتناغم الفكري والتجانس البشري،إذ جميعها موجهاتأتاحت للثقافة العمانية مناخات أكبر للتكيف مع أحداث العالم، ووضعت عُمان أمام مسؤولية مشاركة العالم أحداثه الإيجابية، في ظل منهج الثبات على المبدأ، وصدق التعامل مع الآخر.عليه كانت الحاجة ماسة إلى ترقية اللغة الخطابية مع الأجيال عبر تقريب مفهوم الهوية لها، وإجادة لغة التعبير عنها، وجعلها نقاط التقاء تضمن قدرة الأجيال على أداء واجباتهم نحو تعزيزنسيجالترابط الاجتماعي مع الأسر والوالدين والأبناء، وحماية هذا النسيج والمحافظة عليه واحتوائه، كونهاتعبيرا عن المشترك الإنساني الوطني في سمو مبادئه ورقي أهدافه، ونبل خصاله، وتسامح منهجه، واعتدال فكرة، وموضوعية قراءاته، وشمولية مصادره، لتبرز الهوية في صورة نماذج تطبيقية مضيئة يسطرها أجيال الوطن عبر انتمائهم وإبداعاتهم وممارساتهم ونجاحاتهم، فليست الهوية إطارا يتجاوز حدود المألوف، أو يتجافى مع رغبات المرغوب لدى الشباب وتوجهاتهم؛ بل مبادئ عمل راقيةتمنحهم دورا أكبر في رسم خريطة مستقبلهم، وهو ما ينبغي أن يؤديه الإعلام بكل قنواته والتعليم بمختلف مؤسساته،ومنصات الحوار الاجتماعي الأبوي والأسري عبر دمج الأجيال في هوية المجتمع وتطوراته وتحولاته، وتعريفهم بجهود الآباء، وتعريضهم لمواقف عمل تعكس جهود وتضحيات وبصمات أبناء عُمان، والقيمة المتجددة المتحققة منالتوسع في إقامة الفعاليات والبرامج واللقاءات والأنشطة التراثية، بما تحمله الفنون والمفردات الثقافية والتراثية من تعبيرات ومصطلحات ومفاهيم عززت من خصوصية الثقافة العمانية المتنوعة، القائمة على قيم التضحية والاستقلالية والاعتماد على الذات، وحب العمل والانتماء للوطن، والتكافل الاجتماعي والتواصل الأسري، وقيم التسامح والتواصل والتعايش والوئام الإنساني، إذ من شأن ذلك أن يوثق صلتها بمنجز الأجداد ويبني فيها قناعات متجددة، بأن ما وصل إليه العالم من تقدم في بعض المجالات، ما هو إلا استمرار لجهود التكامل البشري، وجسر يتناغم فيه ثالوث الحياة(الماضي بالحاضر والمستقبل)، وأن عمليات التنقيح وإعادة الصياغة للتراث والتأريخ، لا تعني التخلي عن هوية الأجداد وتاريخهم وحضارتهم، بل منطلق لقراءتها بصورة أكثر واقعية،تدفع الأجيال نحو العمل والعطاء المبهر.من هنا شكلت الهوية العمانية لغة حوارية جامعة، احتوت جميع أبناء عُمان، وأصلت مبدأ التعايش والوئام بينهم، وعززت من وحدة المجتمع والتناغم بين ثقافاته المختلفة مراعية خصوصيات وعادات وتقاليد كل منها، في ائتلاف قيمي ومشترك إنساني، فإن إيصال هذه القناعة لدى الشباب يتطلب تبني فلسفة تعليمية وتثقيفية وتوعوية تنقل صورة الماضي السليم والتراث والقيم والأخلاق والعادات وغيرها، بما يتناغم مع طموح الأجيال ويواكب شغف استخدامهم للتقنية، وحب التغيير والمغامرة، والبحث عن الجديد واتساع أفق التجديد، واحتضانه واحتواءه، فيزداد قربهم إليها، واحتفاظهم بها، واحتمائهم بقواعدها، والتزامهم مساراتها،وانخراطهم في أنشطتها، وتناغمهم مع موجهات عملها، لنقرأ الهوية في سلوك الأجيال وطموحاتهم، ونبل تصرفاتهم، وحسن مبادراتهم، والتزامهم، وولائهم وانتمائهم، وتواصلهم الاجتماعي والعائلي،وابتكاراتهم، واحترام منجزهم الحضاري، وسعيهم المستمر للتجديد فيه، فهي لغة جامعة تقترب فيها كل ألوان الطيف العماني، وتتحدث فيها كل لهجات عمان وبيئاتها وعاداتها وتقاليدها، وتتكامل فيها كل أساليب العيش وأدوات الحياة اليومية، وأنظمة العمل، والتفاعلات والعلاقات، وملامح الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والبيئية في الحياة البدوية والساحلية والجبلية والحضرية والقرى البعيدة والقريبة، وترتسم فيها صورة أبناء عُمان في وحدتهم وتسامحهم وتعاونهم وتعاطفهم كالجسد الواحد.د. رجب بن علي العويسي [email protected]