تحفة معمارية وأثرية في قلب قاهرة المعز

القاهرة ـ من حسام محمود:
تمتلئ جنبات أرض الكنانة بمصر المحروسة بالعديد من الأماكن الأثرية خاصة من الطراز العتيق ويعتبر بيت السحيمي أو بيت الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي من أشهر المعالم الأثرية بالقاهرة القديمة وهو بيت عربي ذي معمار شرقي متميز يقع في حارة الدرب الأصفر المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي بحي الجمالية في قلب العاصمة المصرية.
يتكون البيت من قسمين أحدهما قبلي والآخر بحري أنشأ القسم القبلي الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي سنة 1648م. وقد دون هذا التاريخ على طراز خشبي على أحد جدران البيت أما القسم البحري فقد أنشأه الحاج إسماعيل بن إسماعيل شلبي سنة 1797م وادمجه في القسم الأول وجعل منهما بيتاً واحدا . وعرف المنزل باسم بيت السحيمي نسبة إلى آخر من سكنه وهو الشيخ محمد أمين السحيمي شيخ رواق الأتراك بالجامع الأزهر وقد خضع البيت إلى عملية تجديد شاملة في حقبة التسعينيات ويتبع منطقة آثار شمال القاهرة.

طراز عتيق
يقع بيت السحيمي على مساحة نصف فدان في حارة الدرب الأصفر المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي بحي الجمالية بمدينة القاهرة ويستخدم كمتحف لفنون العمارة الإسلامية ومركز للإبداع الفني. والبيت مثال للبيوت العربية التقليدية بنكهة قاهرية والدخول إلى البيت يكون من خلال المجاز الذي يؤدي إلى الصحن الذي توزعت فيه أحواض زرعت بالنباتات والأشجار وتفتح غرف البيت على الصحن. والبيت متأثر تخطيطيا بالعمارة العثمانية التي كانت تخصص الطابق الأرضي للرجال ويسمى السلاملك والطابق العلوي للنساء ويسمى الحرملك لذا فالطابق الأرضي من البيت كله لاستقبال الضيوف من الرجال وليس فيه أي غرف أو قاعات أخرى. وفي القسم الأول نجد قاعة واسعة منتظمة الشكل تنقسم إلى إيوانين يحصران في الوسط مساحة منخفضة عنهما يطلق عليها الدر قاعة وقد رصفت بالرخام الملون. ويمتد حول جدران الإيوانين شريط من الكتابة يحتوي على أبيات من نهج البردة. وسقف القاعة من الخشب المكسو برسومات وزخارف نباتية وهندسية ملونة وكانت هذه القاعة تستخدم كمجلس للرجال . وللبيت إيوان آخر مفتوح على الصحن ويتوجه نحو الشمال ليستلم هواء البحر البارد صيفا يسمى المقعد وله سقف خشبي أيضا يشبه القاعة وكان المجلس يستخدم شتاء والمقعد يستخدم صيفا.

تصميم أثرى
في القسم البحري مجلس آخر يشبه الأول في التصميم أي مكون من إيوانين ورقاعة إلا أن هذا المجلس أكبر حجما وبه تفاصيل معمارية أدق وأكثر فخامة وفي وسطه حوض ماء من الرخام المذهب وبه فسقية على هيئة شمعدان مما يدل على أنه صمم وكأنه صحن مسقف. أما القسم البحري به إيوان أيضا ويعلو الإيوان مشربية مصنوعة من خشب العزيزي. سقف هذا الإيوان من الخشب تتوسطه قبة صغيرة بها فتحات ليدخل منها الهواء والضوء تسمى الشخشيخة مصنوعة من الخشب أيضا ومزخرفة من الداخل ومغطاة بالجص من الخارج . وفي المجلس أكثر من كورة في الجدران وضعت عليها خزائن من الخشب المشغول بالنقوش الهندسية والنباتية . وبعد المجلس غرفة لقراءة القرآن فيها كرسي كبير من الخشب المشغول ينزل من سقف هذه الغرفة مصباح من النحاس يضئ بالفتيل المغموس بالزيت .
وفي الطابق الأول غرف العائلة وهي قاعات متعددة تشبه التي في الطابق الأرضي إلا أن بها شبابيك كثيرة مغطاة بالمشربيات تطل على الصحن وبعضها على الشارع ولا يوجد إيوان في الطابق الأول. مما يجدر ذكره أن الغرف لم تكن تميز غرف للنوم أو غيره باستثناء بعض الغرف المحددة. وإحدى الغرف في الطابق الأول القسم البحري كسيت جدرانها بالقيشاني الأزرق المزخرف بزخارف نباتية دقيقة وفيها أواني الطعام المصنوعة من الخزف والسيراميك الملون والمزخرف حيث يبدو أنها كانت تستخدم لإعداد الطعام وبجوارها غرفة صغيرة جدا غير مزخرفة تستخدم للخزن . ولم يكن في البيت أسرة بل أن العائلة تنام على مرتبات من القطائف المزخرفة أيضا. وفي البيت حمام تقليدي عبارة عن غرفة صغيرة مكسوة بالرخام الأبيض لها سقف مقبب به أشكال مربعة ودائرية مغطاة بالزجاج الملون. في الحمام موقد لتسخين الماء وحوض منحوت من قطعة واحدة من الرخام المزخرف بالإضافة إلى خزان للماء.
وللبيت صحنان صحن أمامي بمثابة حديقة مزروعة يتوسطه ما يسمى بالتختبوش وهو دكه خشبية زينت بأشغال من خشب الخرط. في هذا الصحن شجرتان زرعتا عند بناء البيت زيتونة وسدرة. والصحن الخلفي به حوض ماء وساقية للري وطاحونة تدار بواسطة الحيوانات حيث كان الصحن الخلفي للخدمة.

الترميم والتطوير
تم ترميم البيت بمنحة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي بتكلفة عشرة ملايين جنيه واستمرت أعمال مشروع توثيق وترميم وتنمية منطقة بيت السحيمي مدة خمس سنوات منذ عام 1996 وحتى عام 2000 تحت قيادة الدكتور أسعد نديم. وحالياً يستخدم بيت السحيمي كمتحف مفتوح لفنون العمارة الإسلامية وكمركز للإبداع الفني التابع لصندوق التنمية الثقافية حيث يستضيف فرق التراث الشعبي بمختلف أنواعها من فنون موسيقية وفن الأراجوز وفن خيال الظل كما تقام به حلقات عمل لتعليم الشباب أصول هذا الفن وذلك بهدف الحفاظ على الموروث الثقافي وحمايته من الاندثار وتوفير أماكن عرض ثابتة لتلك الفرق التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية والتي تقدم عروضاً مجانية بمركز إبداع السحيمي.