د/ جمال عبد العزيز أحمد:
تدور الأيام، وتمضي الأعوام، وتحلُّ ذكرى الإسراء، تلك الذكرى الغالية على قلب كل مسلم، حيث كانت تسرية وتشريفًا لرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وتكريماً له ولأمته، حيث حدثت فيها معجزات كثيرة، وتمَّت فيها مراءٍ عديدة، بصَّرت أمة الإسلام بمستقبلها، وأسَّست لعالم جديد يمضي فيه المسلم على هدى وبصيرة، ويدرك مكانة رسوله الكريم عند ربه، وما أتى به من نعمة فريضة الصلاة التي هي معراج المؤمن الدائم إلى ربه، ولن أتوقف هنا عند المرائي، ودلالاتها، ولا عن رحلة المعراج وما تم فيها، فربما شغلتُه من قبل، وشغله غيري، ويشغله سوايَ من الفضلاء الذين جعلوا الدعوة طريقهم، وربطوا بها مصيرهم ومسيرتهم، جزى الله الجميع خيراً، ورفعه منزلة وقدراً.
لكنني اليوم أتوقف عند الأساليب اللغوية، والجوانب اللغوية الواردة في آية الإسراء، وأستجلي منها دلالاتِ تلك الأساليب، وما وراء الجوانب البلاغية ، وما فيها من القيم الإيمانية والتربوية؛ لنعيش في أجوائها ، ونتنسَّم عبيرها، ونستشرف فوائدها ، وكأننا نعيش لحظاتها، ونعاين وقت نزولها.
الإيجاز بالحذف
يقول الله ـ جل جلاله ـ في مطلع سورة الإسراء:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)، حيث بدأت السورة الكريمة بأسلوب الحذف، أو الإيجاز بالحذف، حيث أوجزتْ التركيب، وحذفت الفعل الناصب للنائب عن المفعول المطلق، والأصل سبَّحت تسبيحاً، أو سبِّحْ تسبيحاً، فعدل عن الذكر إلى الحذف، وعدل عن المفعول المطلق إلى نائبه لبيان يُسْر الرحلة، وأنها فوق كلِّ قاعدة: لغوية أو بشرية، فهي قد حطمت كلَّ القواعد، وقدرة الله لا تنتظر سُننًا تسري عليها، أو تتحقق وفقها، أو تمشي على منوالها، فالله لا يعجزه شيء، ولا ينتظر قانوناً أو ناموساً تَجري قدرته عليه ، فكلُّ شيء مسخر، اللغة وغيرها، ولا قاعدة مَّا من القواعد أيا كانت تجري قدرته على حدِّها، هذه واحدة، والثانية أن كلمة (سبحان) أقوى، وأدخل في التنزيه عن كلمة (تسبيح)، مثل قوله تعالى:(والشمس والقمر بحسبان) فـ (حسبان) أقوى من (حساب)، وفيه كذلك كناية عن القدرة التامة على تدبير شؤون الكون كله، كما أن فيها تنزيهًا كاملا لله، وصفاته أن تكون مقيسة على غيرها، وهي (سبحان) علم على التنزيه، أي كل التنزيه التام، الكامل، الجامع، المانع، الشامل لله في كل صفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأقواله، وقيوميته، وهيمنته على كل ذرة في كونه، فالسورة بأسلوب التنزيه والتسبيح المطلق الشامل لكل زمان ومكان، قبل خلق الإنسان وبعثه إلى يوم الدين، وأن الحدث فوق قدرات البشر، واستطاعات وإمكانات الخلق ، والله منزه في كل ذلك ، فاقدروا للحدث قدره ، واعرفوا له منزلته، وأن الرسول مؤيد من رب الكون، القادر، القدير، المقتدر، حيث إن العرب قالت : كيف يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس ويُعرَج به إلى السموات، ثم يعود في جزء من الليل، ولا يزال مخدعه ساخنًا لم يبرد بعد، فاستبعدوا ذلك، ولكنهم وكلوا ذلك لذاته الشريفة، ولم يَعُوا أنها من الله، وأن قدرة الله فوق كلِّ تصور، وفوق كلِّ تعقل وتخيل، فَرَدَّ الله كل تلك الترهات والاستبعادات بقوله:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً)، ولم يقل سرى عبده بنفسه، فأزال ما يمكن أن يعلق بذهن إنسان عن أن الرسول هو الذي سرى بنفسه، كما أن فيه تنزيهًا عن الآلهة المدعاة المزعومة من قِبَل العرب قبل البعثة، من أن الأصنام يمكنها أن تعمل مثل هذا، ففيه كناية عن تعجيزهم، وبيان ضعفهم، وضعف بشريتهم، ثم هناك أسلوب كنائي آخر إذ الأصل أن يقال:(سبحان الله الذي أسرى بعبده)، ولكن حذف المكنيَّ عنه، وهو الله عز وجل وذلك للعلم به، ولكونه لا يقدر على ذلك سواه، وأن العقل الإيماني لا يذهب إلى غير قدرة الله في تصور ذلك الحدث، إذ قل لي بربك: من بوسعه أن يرسل بُرَاقا يضع حافره عند منتهى بصره من الخلق؟!، ومَنْ في قدرته أن يحمل أحدًا آلاف الكيلو مترات من مكة إلى القدس (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) في ثوانٍ معدودات أو أقل، من هؤلاء البشر مجتمعين؟! .. إنه لا يقدر على ذلك إلا القادر والقدير والمقتدر والخالق والقوي والمهيمن، وثمة أسلوب هنا آخر، هو أسلوب التناوب الدلالي، ذلك الوارد في قوله تعالى:(أسرى بعبده) أي أسرى مع عبده، حيث قامت الباء مقام (مع) مثل: قم بأخيك بهذه المهمة الكبيرة، أي معه، وكذلك أسلوب التوكيد الذي بدا واضحا في قوله (أسرى بعبده ليلا) إذ إن السُّرَى في أصله لا يكون إلا ليلا ، فلمَ وردت ليلا هنا؟، وما الذي أفاده هذا اللفظ؟ إنه في الحقيقة كناية عن القدرة الإلهية التامة، حيث إن الإسراء على جلالة قدره، وبيان سعة قيوميته، وكمال دلالاته، إنما هو حدث تمَّ، وانتُهيَ منه في بعض من الليل، لا في الليل كله إذ أخذ قدراً يسيراً من الليل وذلك ليدل على كمال القدرة التي تفعل الشيء في لا زمن، ولا وقت، وإنما بطريق الأمر النافذ الفوري:(كن فيكون) الذي لا يحتمل ثوانيَ معدودات، فيكون، بمعنى يظهر فورا من غير ما زمن، ولا استغراق أدنى وقت.
رؤية الأشياء على حقيقتها
والهمزة في (أسرى) هي همزة الإقدار، والتمكين، والإيجاد، أي الذي أقدر على السرى، وإلا فإنه وحده لا يمكنه فعل هذه الخوارق، وصنع هاتيك المعجزات، ولكنْ كما تقول: أقرأته أي أقدرته على القدرة، وأقمته أي ساعدته على القيام، وأعلمته أي جعلته عالمًا بالشيء، بعد أن كان يجهله، وأريته أي جعلته يرى بعد أن كان لا يرى، وهكذا تفعل الهمزة فعلها الإيمانيَّ التربويَّ الذي يدل على أن الله لا يترك عبداً من عباده اصطفاه، واجتباه، وإنما يكون معه بمعيته، وقدرته، وكامل عطائه وهداه، فيُقدِره على رؤية الأشياء على حقيقتها كما حدث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رحلة المعراج الكبيرة التي قال له فيها:(لنريه من آياتنا)، وكما قال ـ جل جلاله:(ولقد أريناه آياتنا كلها)، وكما قال الله عزوجل:(وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ..)، وقوله:(بعبده) فيها كناية عن الخضوع التام، والخشوع الكامل لله ، وأن مقام العبودية الذي وصل إليه الرسول في علاقته بربه هو أسمى مقام، وأرفع منزلة، وهكذا نتعلم نحن ـ المسلمين ـ أن نكون عباداً حقيقيين لله، حتى ننال شرف مقام (عبد) التي نالها الرسول الكريم من ربه، وذكرها الله في أجمل مناسبة، وأبهى حدث، وأخطر حادثة في الإسلام، دالة على بيان القدرة الربانية التي تتنزل على الإنسان إذا حصَّل مقام العبودية، وكما تحفظون ما ورد في الحديث القدسي:(عبدي أطعني تكن عبدا ربانيا تقول للشيء كن فيكون)، وبصرف النظر عن درجة الحديث وصحته، لكنه يبيِّن ما نحن فيه من أن مقام العبودية هو أعلى مقام بين العبد وربه، وهو المقام الذي يشرِّفنا الله به، ويُخْلِصُنا من خلاله له ولقدسيته، اقرأ إن شئت:(إنه كان عبدا شكوراً)، (إنه من عبادنا المخلصين)، (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل)، وفي الحديث الشريف :(وكلنا لك عبد) ، فهذا هو مقام التشريف ، وكلما ازداد الإنسان عبودية لله، ازداد منه قرباً، وزاده الله منه ودًّا، والإضافة هنا في قوله: (بعبده) تشريف، أي بعبد له اصطفاه، واختصه من بين خلقه واجتباه، وأخلصه له، وحباه.
* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
[email protected]