عمّان ـ العمانية:
وسط الينابيع وأشجار الزيتون والغابات الحرجية غرب العاصمة الأردنية عمّان، يتربّع الموقع التاريخي لمدينة "عراق الأمير" الذي يشتمل على بقايا "قصر العبد" ومقابر قديمة وكهوف محفورة في التلال يعود تاريخها للعصر النحاسي، وغيرها من الآثار التي تشهد على الدور الحضاري المبكّر للمنطقة.
وقد أُطلقت على الموقع الذي يبعد 15 كيلو مترا عن منطقة وادي السير، العديد من الأسماء، أبرزها "المكان المحصّن"، و"القلعة" في اللغة الآرامية.
ويعود تاريخ استيطان "عراق الأمير" إلى العصر الحجري الوسيط وفقا لما أظهرته المسوحات الأثرية للمنطقة التي استمرت حاضنةً للوجود البشري خلال العصور البرونزية بمراحلها المختلفة وفي العصرين الحديديَّين الأول والثاني.
وفي القرن الخامس قبل الميلاد استقر الإسكندر المقدوني في المنطقة التي شهدت في أواخر العصر البيزنطي ازدهارا كبيرا، خاصة في القرنين الرابع والخامس الميلاديين.
وكشفت اللقى الأثرية وقطع الفخار أن المسلمين سكنوا المنطقة في العصرين الأموي والمملوكي.
ويعدّ "قصر العبد" من أبرز الآثار في "عراق الأمير" التي يسكنها اليوم حوالي ستة آلاف نسمة، ويعود إلى الحقبة الهيلينستية، ويرجع المؤرخون تاريخ بنائه إلى الحاكم هيركانوس الذي كان من عائلة طوبيا وعاش في بداية القرن الثاني قبل الميلاد.
واستمر استخدام القصر خلال العصور الكلاسيكية والبيزنطية. وهو عبارة عن بناء مستطيل الشكل بُني من الحجارة الكلسية الضخمة تم استخراجها من المنطقة والمناطق المجاورة لها، واختير موقعه في منطقة منخفضة حيث كانت تحيط به بحيرة اصطناعية يحجزها عن القصر سورٌ مرتفع.
وصُمّم القصر من طابقين، للأرضيّ منهما بوابتان شمالية وجنوبية، وفي وسطه أربع غرف تتوزع على الجهة الغربية، أما في الجهة الشرقية فتوجد الأدراج التي تفضي إلى الطابق العلوي الذي خُصّص للسكن والاستقبال، وفي الجهة الشمالية خزّانان للمياه ودهليزان.
وقد صُمّمت النوافذ التي تتوزع على الجهتين الغربية والشرقية بحيث تحقق تهوية جيدة وإنارة مناسبة لفضاءات المكان من الداخل.
ويُرجَّح أن بناء القصر لم يكتمل، حيث لا أثر للسقف، وإن كانت المعلومات التاريخية تؤكد تعرّض المنطقة إلى هزة أرضية في القرن الرابع للميلاد دمرت أجزاء كثيرة من القصر.
والمدهش في هذا القصر هو المنحوتات البديعة التي أُنجزت وفق طريقة الاختزال التي كانت سمة بارزة في فن الحضارة الهيلينستية، حيث يتم نحت الأشكال داخل الكتلة الحجرية. وكانت منحوتات قصر العبد منتشرة على جميع أجزاء المبنى وفي كل جوانبه، وغالبيتها لأشكالٍ حيوانية، وأبرزها الأُسود، حيث كان في كل جهة من واجهات القصر أسَدان وُضعا كرمزٍ للحماية والحراسة وأيضًا كدليلٍ على قوة الحاكم هيركانوس.
أما النسور، فتمّ نحتها لتكون في وضعِ تناظُر، وكانت تنتشر في جوانب القصر.
واستُخدمت منحوتات اللبؤات في الطابق الأرضي على الواجهتين الشرقية والغربية، وفي الجهة الشمالية الغربية والشمالية الشرقية كانت منحوتات اللبؤات تتصل بالخزانات الداخلية في القصر، وكانت المياه تخرج من أفواهها، وهي ترمز لقوة الشعب.
وتتوزع على جانبَي الوادي المؤدي إلى مبنى قصر العبد كهوفٌ تعود إلى الفترة الناطوفية، وتتكوّن من صفَّين علوي وسفلي، وعددها أحد عشر كهفًا على الأقلّ، وفي طوابقها العلوية ممرات ضيّقة يتسع الواحد منها لمرور شخص واحد فقط.
وتؤكد الآثار المكتشفة إلى أن عمليات التشذيب لجدارن الكهوف تمت من خلال أدوات بسيطة كالإزميل ذي الرأس العريض، والمطرقة، وقد عُثر على جدار أحد الكهوف السفلية على خمسة حروف بجانب إحدى النوافذ، يعود نقشُها للقرنين الثالث والثاني للميلاد، وهي تشكّل كلمة "طوبيا"؛ اسم العائلة التي حكمت المنطقة في ذلك الوقت.
ووجد الباحثون أيضا الحروف نفسها في سقف كهف آخر مكتوبةً بشكل غائر، وتدلّ زخرفة الواجهة الأمامية لهذا الكهف أنه كان يضم قبور أسياد المنطقة.
وفي أكبر هذه الكهوف والتي يرجّح الباحثون أنه استُخدم إسطبلا للخيول، عُثر على ثمانين حوضا لوضع الكلأ والطعام للخيول، ولوحظ أيضا وجود مرابط حُفر لها في الجدران الداخلية، ربما استُخدمت كمرابط للخيول.
ولقد وُجدت الكثير من القطع الأثرية محفوظةً داخل هذه الكهوف، ومن بينها أدوات صوانية صغيرة الحجم، كالإبر والأزاميل والشفرات والمقاشط ذات الأشكال الهلالية أو الهندسية، وتم العثور أيضا على رؤوس سهام مصنوعة من العظم من النوع المعروف بـ"صنارة الصيد" مما يدل على أن سكان المنطقة كانوا يمارسون الصيد.
وتضم قائمة الآثار الموجودة في "عراق الأمير"، شواهدَ قبور الدولمن التي ترجع إلى العصر البرونزي المبكر، وبقايا قبور نُحتت في الصخر، كما عُثر على آثار قرية قديمة تقبع تحت القرية الحديثة، وتحتوي على قنوات ريّ للمزروعات وحقول مرتّبة على شكل مصاطب، ومساكن مبعثرة، ومعاصر زيتون تعود للعصر الهيلينستي، ومعصرة للعنب، وجدار محصّن منيع بُني من حجارة غير مشذَّبة تم جمعها من المنطقة والمناطق المجاورة لها، وقطَع فخارية وأدوات معمارية تعود للفترتين الأموية والمملوكية.
وتُعرض هذه المكتشَفات من أراضي "عراق الأمير" في متحف دائرة الآثار العامة في عمّان، حيث يمكن للزائر التعرف على التحف الثمينة والأدوات المصنوعة من الزجاج والأسلحة التي تعود للعصور البرونزي والنبطي والروماني، إلى جانب النقوش التي تزيّن العملات الأثرية.