إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:أيها القراء الأعزاء: تقول السيدة عائشة ـ رضي الله عنها: (ما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه) ـ رواه البخاري ومسلم، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، شريعته سمحة، دينه ينسجم مع الفطرة السوية ويصافح العقول السليمة، لا ترى فيه مظهراً للغلو والحرج والعنت، (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء علي الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولي ونعم النصير).أسلموا طواعيةحينما عُرضت دعوة الإسلام على البشرية دخل الناس في دين أفواجاً، بل من دخلوا فيه أصبحوا دعاة إليه، أسلموا طواعية دون إكراه، ودعوا إليه حباً وتعظيماً لما لمسوه فيه من طهر وسماحة وتيسير، ما هو السر في هذا؟ السر هو ما لمسوه في هذا الدين من العدل والرحمة والتيسير، دين يهدي إلى حياة طاهرة نقية، لا شر فيها ولا ظلم ولا فجور ولا فساد، يرى الناس في ظله الأمان والطمأنينة، ويتذوقون في الحياة طعم اليسر وحلاوة الإيمان بمعرفة الله، ومن هنا فليس هناك آفة أضر على الدين وتنخر في أساسه وتقوض بنيانه وتهدم أركانه أشد من الغلو في الدين، (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقي) ـ رواه البزار عن جابر، (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) ـ رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، وحينما أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا موسي الأشعري ـ رضي الله عنه ـ ومعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن قال لهما:(يسرّا ولا تعسرّا، وبشرّا ولا تنفرّا، وتطاوعا ولا تختلفا) ـ رواه البخاري ومسلم، هذه سنته وهذا منهجه .خير الأمور أوسطهاإن التوسط فضيلة بين رذيلتين الإفراط والتفريط ، وبعث نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالحنيفية السمحة، وإذا رأى من أصحابه تشديداً يوقعهم في الحرج والعنت فكان يطامن من هذا الغلو في العلو، وإذا رأى ضعفاً في الهمم وفتوراً في العزائم كان يستنهض همة الضعيف ليرتفع به إلى أفق ذوي الهمم العالية، فخير الأمور أوسطها، لقد كان يرى أحياناً في أصحابه همة عالية تجاوز حد الاعتدال فكان يأخذ بزمام صاحبها إلى ما يضمن له ديمومة الطاعة ودوام الاستقامة حتى لا يُبَغِّض أحد إلى نفسه طاعة الله، وهذه مظاهر الغلو التي ردها إلى التوسط والاعتدال :1 ـ دخل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ المسجد فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين فقال:(لمن هذا الحبل؟ قالوا: لزينب حتى إذا فترت تعلقت به، فقال: حلوه ليصلي أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد) ـ رواه النسائي وابن ماجه عن أنس ـ رضي الله عنه ـ فليست العبادة تعذيباً للبدن، ولا أغلالاً وقيوداً يعذب بها الإنسان نفسه، وإنما هي أنس ومناجاة وسعادة في خلوة العبد بالرب .2 ـ حينما جاء ثلاثة رهط إلي بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي (صلى الله عليه وسلم) قَد غٌفِرَ له ما تقَدَّمَ من ذَنبِه وما تأَخَّر، قَال أَحَدُهُم أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًاً، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) ـ متفق عليه من رواية أنس ـ رضي الله عنه ـ لقد نظروا إلي كمية الأعمال وليس إلي النوعية، والعبرة دائما بنوعية الأعمال لا بكثرتها وكميتها، وقد نوه القرآن إلى ذلك في أكثر من موضع منها قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملاً. 3 ـ بينما النبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(مروه فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) ـ رواه أحمد والبخاري عن ابن عباس .4 ـ وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى شيخا يهادي بين ابنيه، قال:(ما بال هذا؟، قالوا: نذر أن يمشي، قال:(إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب). رواه البخاري ومسلم.5 ـ يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال:(القني به)، فلقيته بعد، فقال:(كيف تصوم)، قلت: كل يوم، قال:(وكيف تختم)، قلت: كل ليلة، قال:(صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر)، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال:(صم ثلاثة أيام في الجمعة)، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال:(أفطر يومين وصم يوماً)، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال:(صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة) . رواه البخاري، وكان ابن عمرو يقول بعد ذلك: فليتني قبلت رخصة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً، وأحصى وصام أياما مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق النبي (صلى الله عليه وسلم) عليه . 6 ـ ولما فرض الحج قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه:(خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) فقال:(أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا)، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللّه ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه:(لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم)، ثم قال:(ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ـ رواه مسلم، وقال:(إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته) ـ رواه مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه.* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر