[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/tarekashkar.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]طارق أشقر [/author]
حتى وقت قريب كان العراقيون كغيرهم من الشعوب العربية التي تشترك في إرث تاريخي عربي متداخل، يفخرون بأن حمورابي أحد أبرز ملوك بابل قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام هو أول من وضع القوانين على مستوى التاريخ الإنساني، حيث عرف ذلك في تاريخ القانون باسم (شريعة حمورابي) أو (قوانين حمورابي).
ولسخرية الزمن الذي كشف سوأة العدالة الأممية (المعاصرة اليوم)، يؤكد التاريخ بأن حمورابي البابلي كان يهدف من وضع قوانينه حماية الضعفاء من الأقوياء في تلك الحقبة من الزمن. أما الآن وبالمقاربة مع الجدل الدائر حاليا في المجتمع البريطاني على ضوء نتائج تقرير جون تشيلكوت رئيس لجنة التحقيق البريطانية بشأن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 بمشاركة بريطانية، يتبين للمراقبين بأن حقوق ضحايا الحرب من العراقيين هي الوحيدة التي تزعزعت وفي طريقها إلى طي النسيان والكتمان.
يبدو ذلك واضحا من خلال السيناريو الذي يشهده الإعلام الغربي والبريطاني على وجه التحديد عبر تسليطه للضوء في هذه الأيام حول ما إن كان ينبغي على أسر عدد 179 مائة تسعة وسبعين عائلة بريطانية أن يرفعوا قضايا تعويض شخصية ضد رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير، أو محاكمته كرجل دولة سابق يرون أنه أخطأ في استخدام سلطته، وذلك بسبب دفعه للبريطانيين نحو أتون حروب غزو العراق التي أكد تقرير تشيلكوت بأن النظام العراقي حينها لم يكن يشكل خطرا على أمنهم.
لقد قامت الدنيا منذ منتصف العام الماضي وحتى اليوم في بريطانيا حول حقوق الضحايا البريطانيين في غزو العراق، بينما العرب كافة لم يحركوا ساكنا حتى اليوم حيال المطالبة بحقوق أكثر من مليون ضحية من العراقيين قتلوا ودمرت مقدراتهم بسبب نفس الغزو في عام 2003. وهذا ما يؤكد أن ضحايا تلك الحرب من العراقيين تزعزعت إن لم تكن ضاعت.
وبالعودة للمقاربة بين حمورابي وتشيلكوت بشأن حقوق العراقيين، نجد أن تقرير تشيلكوت رغم الإعلان عنه في يوليو من العام الماضي، إلا أن كل ما آثاره إقرار الرجل بأن غزو العراق لم يكن صائبا، هو فقط ظهور مساعٍ بين قانونيين بريطانين وأسر الجنود البريطانيين ضد بلير، فيما لم يكلف الإعلام الغربي نفسه للحديث عن أي مطالبات لصالح الضحايا المدنيين العراقيين، بينما كانت قوانين حمورابي قديما تستند إلى مبدأ السن بالسن والعين بالعين على كل من هو ضمن حدود مملكة بابل العراقية في ذلك الوقت.
وفي السياق نفسه، يشار إلى أن نتائج تقرير لجنة تشيلكوت التي بدأت عملياتها منذ تشكيلها في عام 2009، وتم الكشف عنها في العام الماضي 2016، سبق أن تأجلت كثيرا بسبب محاذير يرى المراقبون بأنها كانت ذات علاقة بحساسيتها تجاه الأمن القومي البريطاني. وبالمقابل يسرد التاريخيون بأن قوانين حمورابي بكافة موادها كانت معلقة للملأ على مسلة من حجر الديوريت الأسود في ميدان عام ليطلع عليها القاصي والداني وليتعرف المظلوم على حقوقه والظالم على جزائه، مما وسع من فرص أخذ كل ذي حق حقه في ذلك الزمن الخارج عن دائرة العولمة اليوم.
وعليه كان حريا بالإعلام الغربي والعربي المتابع في هذه الأيام الجدل الدائر حول مدى إمكانية محاكمة بلير من عدمه بسبب فقدان المجتمع البريطاني لأرواح أبنائه، حريا به أن يوسع دائرة التناول لتشمل أيضا تسليط الضوء على فقدان المجتمع العراقي لأكثر من مليون ضحية عراقية.
أما الدرس الأكثر إيلاما لذوي الضحايا العراقيين لغزو العراق، هو أن جدودهم كانوا قبل ثلاثة آلاف سنة يفاخرون بعمومية العدالة في زمن محدودية التواصل بين الأمم، بينما أنهم الآن في زمن العولمة وتحول العالم إلى قرية صغيرة متواصلة بين كافة أرجائها وتعيش حالة تشدق بالعدالة الأممية... فإنهم يراقبون من على البعد حقوق أبنائهم تتزعزع فيما توجد مطالبات بحقوق آخرين أقل عددا منهم إلا أنهم مساوون لهم في المقدار كبشر لهم الحق في الحياة، غير أن الإعلام الغربي بتجاهله أظهر وكانت الفئتان من الضحايا من طينة مغايرة متباينة الخصائص والحقوق ومدى توفر من يطالب بحقوقهم.