مكارم الأخلاق لها الحظ الأكبر في حياة المسلم ليتحلى بها وهو يسير في دنياه ليكون نموذجا حياً يحتذى به مما ابتلينا به في هذه الأزمنة بمن يبرر قتل المعاهدين والمستأمنين فيخالفوا ما أمر الله به ورسوله

أحمد محمد خشبة:
إنّ دين الإسلام دين عمل ومحبة وإخاء يعطي كل ذي حق حقه فلا يظلم فقيراً ولا يحقّر صغيراً ولا يمنع من له حق على اخيه فديننا يعلو ويسمو بتوثيق روابط الأخوة وأواصر المحبة والألفة بين افراده شعوبا وقبائل وجماعات، فمكارم الأخلاق لها الحظ الأكبر والنصيب الأوفر في حياة المسلم ليتحلى ويتصف بها وهو يسير في دنياه ليكون نموذجا حياً يحتذى به تطبيقا لما جاءت به عقيدتنا الإسلامية التي استمدت احكامها من كتاب ربنا عزوجل وسنة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي اتخذت العدل لها أساساً وركناً تشد به المواثيق والعهود مع الآخرين لأن الله عز وجل قال:(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، فالعدل مطلب من المطالب الشرعية المهمة في حياة البشرية التي نعايشها ونتعامل معها، والله عز وجل أمرنا به وحثنا عليه فجعل محبته ثواباً للعادلين فقال سبحانه وتعالى:(ان الله يحب المقسطين) أي: العادلون وعلى هذا الأساس كان العدل في كل شيء مع النفس والأولاد والزوجات والجيران والأصحاب والعمال بل وحتى مع غير المسلمين من الكفرة والمشركين قال تعالى:(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
كاملة وشاملة
فشريعتنا كاملة وشاملة في كل شيء قال تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) مات ودرعه مرهونة عند يهودي، واشترى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من وثني أغناماً ووزعها على أصحابه، وأكل طعام اليهود لأن الله قال:(وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)، وزار (صلى الله عليه وسلم) يهودياً في مرض موته فدعاه للإسلام فأسلم، وربط ثمامة بن أثال في المسجد فأسلم ـ رضي الله عنه ـ واستقبل وفد نصارى نجران وأسكنهم المسجد، وصالح المشركين في الحديبية وعقد معهم الصلح والهدنة، واستخدم ابن أريقط خريتا له في الهجرة أي دليلا يرشده في الطريق, فهكذا كان هديه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في تعامله بل إن الإيجارة عقد من العقود في الشريعة الإسلامية إذا قام بها أحدهم لزم الباقين الوفاء به مع المشركين قال (صلى الله عليه وسلم):(لقد أجرنا ما أجرتي يا أم هانئ).
الخلل في فهم الإسلام
وإن مما ابتلينا به في هذه الأزمنة بمن يبرر قتل المعاهدين والمستأمنين فيخالفوا ما أمر الله به ورسوله (صلى الله عليه وسلم) فافسدوا ودمروا وروعوا وقتلوا فحسبنا الله ونعم الوكيل .. وكل ذلك بسبب الخلل في فهم الإسلام وعدم معرفة أحكامه وكيفية التعامل مع غير المسلمين وفق الضوابط الشرعية التي قررها علماء المسلمين وبينوها في مؤلفاتهم وكتبهم لكي لا تلتبس الأمور على من ليس لديه بصيرة من علم فتزل به الأقدام وتضل فيه الأفهام ويحصل مالا يحمد عقباه من جراء هذا الفهم الأعوج فخالفوا في ذلك علماءهم الذين اصدروا الفتاوى والتي بينوا فيها الضوابط المرعية والأحكام الشرعية في كيفية المعاملة مع غير المسلمين فمن المشروع للمسلم بالنسبة لغير المسلم امورا متعددة منها:
أولاً: الدعوة الى الله عز وجل بأن يدعوه الى الله ويبين له حقيقة الإسلام حيث أمكنه ذلك وحيث كانت لديه البصيرة لأن هذا هو أعظم الإحسان وأهم الإحسان الذي يبديه المسلم الى مواطنه وإلى من اجتمع بهم من اليهود والنصارى أو غيرهم من المشركين لقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(من دل على خير فله مثل اجر فاعله) ـ رواه مسلم، وقوله (عليه الصلاة والسلام) لعلي ـ رضي الله عنه ـ لما بعثه الى خيبر وأمره أن يدعو الى الإسلام قال:(فوالله لئن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم) ـ متفق على صحته، وقال (عليه الصلاة والسلام):(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه .. الحديث) ـ رواه مسلم، فدعوته الى الله وتبليغه للإسلام ونصيحته في ذلك من أهم المهمات وأفضل القربات.
ثانياً: لا يجوز أن يظلمه في نفس ولا في مال ولا في عرض إذا كان ذميا أو مستأمنا أو معاهدا فإنه يؤدي له الحق فلا يظلمه في ماله لا بالسرقة ولا بالخيانة ولا بالغش ولا يظلمه في بدنه لا بضرب ولا بغيره لأن كونه معاهدا أو ذميا في البلد أو مستأمنا يعصمه .. ويعصم ماله ودمه وعرضه.
ثالثاً: لا مانع من معاملته في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك فقد صح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه اشترى من الكفار عباد الأوثان واشترى من اليهود وهذه معاملة، وقد توفي (صلى الله عليه وسلم) ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام اشتراه لأهله.
رابعاً: ومن ذلك حسن الجوار، إذا كان جارا تحسن إليه ولا تؤذيه في جواره وتتصدق عليه إذا كان فقيرا تهدي اليه وتنصح له فيما ينفعه لأن هذا مما يسبب رغبته في الإسلام ودخوله فيه ولأن الجار له حق قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه) ـ متفق على صحته، وإذا كان الجار كافراً كان له حق الجوار وإذا كان قريباً وهو كافر صار له حقان حق الجوار وحق القرابة ومن المشروع للمسلم ان يتصدق على جاره الكافر وغيره من الكفار غير المحاربين من غير الزكاة لقوله تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين)، وللحديث الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ أن أمها وفدت عليها بالمدينة في صلح الحديبية وهي مشركة تريد المساعدة فاستأذنت النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك هل تصلها فقال:(صليها) أما الزكاة فلا مانع من دفعها للمؤلفة قلوبهم من الكفار لقوله عز وجل:(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم)، أما مشاركة الكفار في احتفالاتهم بأعيادهم فليس للمسلم ان يشاركهم في ذلك. فهذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا.
وأخيراً سئل عبدالله بن وهب صاحب الإمام مالك عن غيبة النصراني فقال:(أوليس من الناس؟ قالوا بلى قال فإن الله عز وجل يقول: وقولوا للناس حسنا).
اسأل الله ان يحفظ عمان وأهلها وسلطانها من كل سوء ومكروه كما اسأله أن يبارك في علماءنا وشبابنا وكل أهلنا .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* إمام وخطيب جامع ذو النورين الغبرة الشمالية