[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]يطرح موضوعنا نقاشات عدة حول نوع الإنسان الذي تحتاجه التنمية، ومنظومة الأخلاق التي يحتاجها، بما يضمن منه دورا محوريا منتظما متفاعلا مع متطلباتها، متناغما مع احتياجاتها، متوافقا مع أساليب التجديد والتطوير فيها، متعايشا مع كل المتغيرات الحاصلة فيها، بما يعزز لديه وحدة المسار وقوة التأثير، وهوية الإنجاز وكفاءة المنجز، وما يمكن أن يقدمه التعليم عبر أدواته ومناهجه ومؤسساته من فرص واستراتيجيات تتناغم مع أولويات التنمية وتفي باحتياجات الإنسان فيها، ونوع الأخلاق والقيم والمهارات والاستعدادات والتوجهات التي يحتاجها إنسان التنمية ليؤدي مسؤولياته بكفاءة ومهنية، وهو ما يعني أهمية ترسيخ مسارات محددة في التعامل مع السلوك البشري عبر عمليات التوجيه والتعليم والتثقيف والتدريب والخطاب والثواب والعقاب، بحيث تنقل الإنسان من السلبية والاستهلاك، إلى مرحلة القوة في امتلاك أدوات التغيير واستراتيجية المواجهة، وتربي فيه أصالة الفكر ومتانة المنهج في فهم أولويات التنمية واستيعاب متطلباتها، فإن طبيعة التحول في إنسان التنمية وأخلاقياته، تستدعي منه سلوكا يلتزم الاتزان والواقعية، والتجديد والبحث واغتنام الفرص، وقراءة السيناريوهات وصناعة البدائل، وتعزيز فرص التكامل والتعايش، وتعميق منهج الحوار والاعتراف بالآخر، وفهم أعمق للحقوق والواجبات والمسؤوليات، وإدراك للمفاهيم والمقارنات وآليات التعامل معها، وقراءة استشرافية لواقع الممارسة، تضمن سموا في الفكر واتزانا في التفكير ورقيا في الذوق، وشفافية في إدارة مؤشرات الواقع، وتلمسا للثقة، والتزاما بالواجب الأخلاقي الذي يحكم التنمية ويدير حركة تقدمها، وامتلاك أدوات التأثير والاحتواء وسرعة الاستجابة، وفلترة الضمير وإزالة شوائبه المؤثرة على نجاح التنمية، وترسيخ منظومة الاستدامة في العطاء والعمل التطوعي، والتنافسية في البحث عن أفضل الممارسات، وقدرة على تسخير القدرات والاستفادة من الموارد والاستثمار في الإمكانات، وترشيد السلوك الاستهلاك وتقوية ثقافة الإنتاجية، وإزالة حوائط الصد وتقليص العمليات المتكررة المؤثرة على الإنجاز، وإيجابية التعامل مع المشاعر، وبناء أرضيات ممتدة للتواصل والشراكة، والاستفادة من العالم الافتراضي وحسن توجيهه لصالح سعادة الإنسان، وقراءة معطيات الواقع المتجدد بلغة تتكيف مع ظروف المخاطبين واحتياجاتهم.إن تحقق استدامة التنمية اليوم يرتبط بجملة ضمانات، على إنسان التنمية العمل بها، بروح مرنة معطاءة متسامحة، تؤمن بالمؤتلف، وتراعي المشترك، عبر تعميق قدرة الإنسان على التآلف والتكيف مع من حوله، بما ينعكس أثره على التنمية في طريقة تعاطفه معه، وحمايته لها، واستخدامه الواعي لمواردها الطبيعية والأحيائية، لتصبح التنمية نتاج صنع الإنسان الواعي الذي يحسن إدارة شؤونها، وتصريف أحوالها، ويبتكر أدوات رسم خطوط إنتاجها وفهم متطلباتها، والمعيارية في وضوح بدائلها، والجاهزية في التعامل مع تحدياتها، والمصداقية في نقل رسالتها للعالم، إذ بذلك تنمو التنمية شاقة طريق الأمنيات والأحلام، كاشفة عن مكنونات المواهب والقدرات والاستعدادات، راسمة في الأجيال ابتسامة الحياة، فتبدو مسارات الخير منفتحة، وعلامات التشاؤم منفرجة، وإنسان التنمية مقتنعا بأنه في عالم ممتدة مساحاته، متسعة فضاءاته، بيد أنه قرية صغيرة عليه أن يتشارك العالم آماله وأحلامه وطموحاته وأفكاره واستراتيجيات عمله، وصدق الكلمة وقيمة الإنجاز، ويبني على المشترك بين البشر وجه الحياة المشرق، وطريق الأمن المزدهر، وعندها لن نسمع بحالات التضجر والتأفف والسلبية التي يسبغها البعض على التنمية، في أنها غيرت مسار الحياة الطفولي البريء، وأذهبت بجيل الطيِّبين، وتعدَّت على القيم والأخلاق والسعادة التي كانت تعيشها البشرية، وأوجدت حالة التنافر والبعد بين الإنسان وبني جنسه، وأزهقت الأرواح وشتت الشعوب وأبعدت القلوب، هذه النغمات التي نسمعها، من ألسنة الكتاب والمسؤولين والمثقفين والعلماء ورجال الأعمال والسياسيين وصناع القرار وغيرهم، ما كانت تظهر لو التزم الإنسان أخلاقيات التنمية، وانتهج في ممارساته وأهدافه نهج التسامح والواقعية والاتزان، وارتبط في كل موجهاته بمنظومة الأخلاق في التزامه منهج التغيير الذاتي، مصداقا لقول الله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد/11.إن الأخلاق بذلك، كيان يحفظ التنمية، وسياج يحتوي مبادئها وقيمها ومنظومة عملها، فهي وجه الحياة المضيء، وطريقها لتغيير الوجه المظلم الذي أوجدته أيدي الناس، والمعيار الذي تبنى خلاله معادلة التنمية في صفائها ورونقها وبلسمها وإنسانيتها، فلا فساد ولا إفساد، ولا ظلم ولا تظلُّم، ولا محسوبية ولا ذاتية، ولا تضييع للحقوق أو سلب لكرامة الإنسان؛ بل وقوف على الحق والعدل، واتزان في التصرف والقرار، وفرصة لفتح صفحات جديدة في الحياة وفق مسارات العطاء المخلص المتناغم مع فلسفة الكون والحياة، والمتوافق مع شريعة الله وهديه واستخلاف الإنسان في هذه الأرض، يبنيها خيرا وسلاما، ويعمرها أمنا وأمانا، وينشر بين الناس التسامح والسلام، والحب والوئام، والسعادة والهناء، ينعم بخيراتها ويلتزم أخلاقياتها، فتحتضنه وترقى به؛ فإن في أخلاق العمانيين وثقافتهم الأصيلة المعززة لروح التسامح والتآلف والتشارك والتكامل والوحدة والوئام الإنساني، منطلقا يعزز رؤية التنمية العمانية واستدامتها ويفتح المجال لإنسان هذا الوطن الغالي، نحو المساهمة الفاعلة بأخلاقه ومهاراته وأفكاره وأعماله وممارساته في المحافظة عليها وابتكار أدواتها، وترسيخ ثقافتها وتعميق إنسانيتها ورعاية مبادئها، وتقدير نهضتها التي أسس معالمها، وبنى أعمدتها، ورسم رؤيتها، وحدد منطلقاتها، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فسارت على هدى ونور، آمنة مطمئنة، تحفُّها عناية الله، سالكة سبيل الرشاد، ساعية لخير إنسان هذا الوطن وأمنه واستقراره.