العتبات.. الذاكرة والمسافة
تشكل تجربة الشاعر حمود الحجري مناخا مفتوحا على الأسئلة، وهي ناشئة عن امتداد زمني، حَفَر فيها الشاعر بصمة خاصة في تعاطيه مع العديد من العناصر التي تشكل حالته الشعرية، بامتياز خصوصيتها، وفرادة مناخها.. من زاويتي الشخصية التي أرى منها تجربة حمود الحجري أقسمها إلى منظورين، أحدهما يخص المتلقي في داخلي، والثاني يخص الشاعر في استشفافه عناصر البناء الشعري، ولذلك وجدت على امتداد زمني قرائي، مساحات مختلفة في هذه التجربة، وتلك المساحات تحتاج إلى قراءات مستقلة، لربما تشكل في مجموعها رؤية نقدية شمولية لاحقة.. برأيي المتواضع أجد هذه الثيمة خارج منظور الاهتمام القرائي النقدي، على الرغم من أهميتها، وأرجح أن السبب يعود إلى تكريس النص بمضمونه على حساب أدوات أخرى تفيد في الإيغال التحليلي، وتستجلي اللامنظور في التجربة ذاتها، سواء على المستوى الجمالي أو المخيالي..

الغلاف بصفته عتبة رئيسية
الدفّة الأولى أو الغلاف الرئيس للمجموعة "أية مجموعة شعرية كانت" يعتبر مهما في المقاربات النقدية، بل هي المفتاح البصري الانطباعي الأول، الذي يشد أو يبعد عن المضمون غير المقروء بعد، إذ صارت الأغلفة بمثابة البريد التعريفي أو الصيغة التسويقية التي تعبر عن شخصية المجموعة، وهي الحكم الجزافي الأول حيال أي مكتوب بين دفتين.
هذا المفتاح البصري المهمل، هو ما سنحاول مقاربته بشكل سريع في هذه الورقة، لعل من رؤيتنا تجاه الأغلفة سنعيد النظر في الأغلفة على المستويين النقدي والجمالي..
أحسب أن الشاعر حمود الحجري في تجربته الشعرية الممتدة إلى ست مجموعات، تثير أسئلة الأغلفة، والسبب في هذا يعود إلى سياق جمالي في المقام الأول، يحمل وحي الاستيحاءات من خلال النصوص المبثوثة في كل مجموعة على حدة، وتقارب فلسفة الأفكار في مضمون بصري، وهذا الحسبان هو السائد، وهو الدارج في بيئة صناعة الأغلفة في الإصدارات العمانية، لكن هذا الحسبان قابل للتحاور معه، على سبيل محاولة رصد المكونات التي تشكل الغلاف الأول، وتبني عليه خارطة ذهنية ما..
سأحاول مقاربة الأغلفة من دون مراعاة لتسلسل صدورها الزمني، لأسباب فنية..

(1) سنين الغيل
يحمل غلاف هذه المجموعة (سنين الغيل) صيغة فوتوغرافية مكونة من عنصرين، عنصر عام يمتد ليشمل مساحة الغلاف كاملة، مع صورة داخلية أخرى، هي عبارة عن تصوير ذي مضمون أكثر خصوصية؛ هذا المزج بين الصورتين يوحي بتداخل الخاص (الشاعر/المكان) مع العام (المكان/المكان)، كنوع من الذوبان في العام مع الاحتفاظ بالخصوصية، وهذا التكوين يفتح مساحة الصورة ، تاركا الإيحاء للناظر بأن يخمن أن النصوص هي ما يشبه السرد الوصفي الذي يتماهى مع الموضوع (الغيل) ولا يخرج من حوافه..

(2) ممتلي بروح المغامر
في هذه المجموعة (ممتلي بروح المغامر) هناك مساحة بياض واسعة، وفي داخلها تتوزع تكوينات أخرى، ما يهمنا في هذه الجزئية هو أن ثمة لوحة تشكيلية، تأخذ شكلا طوليا في التكوين العام، تقارب المغامرة في حسها التخيلي، وتعتمد على التوزيع اللوني داخل كتلة اللوحة، واللوحة ذاتها تأخذ اللون البرتقالي أفقا للتعبير عن التداخل بين لون الشمس والأرض، وكأن الدلالة على المغامرة تهفو وتتشكل فيما بينهما، لكن اللوحة في إطار بياض واسع، فكل بياض بكر، وكل بياض نقاء، وكل بياض منقلب عن صفاء داخلي، لكنه على موعد مع روح قادمة، داخل النص، هي (المغامر)، وليس المغامرة، والبطولة هنا ليست للشاعر، بل للحالات التي من المأمول أن يجدها المتلقي في النصوص، مع انفتاح مؤشرات الدلالات على ما تتسع له هذه العبارة عبر تأويل النصوص..

(3) باتجاه أشجاري الخضرا
في هذه المجموعة (باتجاه اشجاري الخضرا)، الوهلة البصرية الأولى تقود إلى كومة من الاخضرار، لكن سيُصدَم المتلقي، حين يرى في الغلاف أن المساحة الخضراء ليست أكثر من خطوط على حواف مشهد، وهو مشهد يميل إلى اللون الرمادي، أي أنه إحالة مباشرة إلى ما احترق وصار رمادا، مشكلا لوحة طولية، وسط بياض غير سويّ عام يحتوي المساحة الرمادية الطولية، كنوع من الإيحاء بأن البوصلة تشير إلى ما تبقى من (أشجار الشاعر الخضرا)، التي صارت جُلها رمادا، محاولا التنفس وجوديا عبر ما تبقى منها.

(4) تتسع حدقة على آخر مداها
هذه المجموعة يختار فيها حمود الحجري عباءة البياض، التي تحيط بكل شيء، مع إدراكه المسبق بأن البياض بمحمولاته اللونية ودلالاته الصوفية والوجدانية، وانسلالاته التعبيرية في التكوينات التي يحتوي، يترك مساحة عرضية تأخذ حيزا كبيرا في الغلاف، وتلك المساحة هي لوحة تشكيلية، ذات خاصية لونية، وهذه الخاصية هي الضبابية، فالرائي مساحة ذلك الغلاف، سيجد أن الألوان تمتاز بغبش يُضيع التفاصيل، على الرغم من (اتساع الحدقة على آخر مداها) ، وربما هذا يعود إلى كون المرصود شعريا في النصوص يحمل تلك السمة، ذات الدلالة اللانهائية على مستوى التلقي..

(5) شق فجرك ظلامي وانجلت عتمتي
هذه المجموعة (شق فجرك ظلامي وانجلت عتمتي) قاربت - في انحيازها المساحي- مجموعة (سنين الغيل)، لكون اللوحة التعبيرية توزعت على مساحة الغلاف بكامله، هذا يجعلني أفكر في شيء محدد، وهو : هل المكان عندما يشغل حيزا من ذاكرة النص ينعكس كماله على الغلاف؟ ربما هو كذلك، من واقع هذا الاستقراء البصري المتواضع.

اللوحة، تحيل إلى مشهد نهاري، المكان هو ما شق ليل الذاكرة، ثم استحال ذلك الظلام إلى نور، المكان نور، لأنه حسر العتمة وقزّمها، متخذا من المكان حياة، وهو في اللوحة، مكان ذاكري، له علاقة بالقرية، بالبساطة، بالروح، بالذاكرة ..

(6) الغرفة بلد
تظهر هذه المجموعة بغلاف بمحيط أبيض، تتوسطه لوحة ذات شكل مستطيل، تقع تحت عنوان المجموعة، وكأنها حامل تلك اللغة الإخبارية التقريرية، جاعلك من ذاتها منصة يفرقها عن العنوان شريط أبيض هو بمثابة جزء من البياض، الذي تدور في داخله مساحة الدلالة، بينما اللوحة ذاتها فهي ذات صبغة تأويلية، ذلك أن عناصرها تشتمل على أشكال مختلفة، بعضها يميل إلى التجريد الخطوطي المقارب لحركة الإنسان داخل الفضاء المظلم، وبعضها مقارب للحروف غير المنقوطة، وبعضها ترسم نقاطا على مسار مستقيم، يقسم اللوحة/الغرفة نصفين، وهو - ربما - ترميز للخطوات، وهي بهذا الشكل تضع إحالات خاصة، تتكامل مع العناصر الخطوطية المفتوحة على التأويل والمقاربة التي ربما سيجدها المتلقي في نصوص المجموعة (أشياء الغرفة).
(الغرفة) تخرج من حيزها الدلالي الضيق لتصير (بلد)، مع الأخذ في عين الاعتبار الإحالة إلى المعنى الاجتماعي لهذه المفردة، بازدواجية الإشارة اللفظية، وهذه التفاصيل هي روح التلقي الأولى في الغلاف..

عتبة العنوان
العنوان عتبة أخرى من العتبات الضرورية، وهنا في تجربة الشاعر الصديق حمود الحجري، لها وظائف منعكسة على حال الغلاف، لأن العنوان بمثابة أحد تكوينات الغلاف في عمومه، ولكن كل عنوان يحمل خصوصية في كل مجموعة، متكئة على الدلالتين اللفظية والحروفية، سأضع استعراضا هنا لهذه الخصوصية،على النحو التالي :

(1) سنين الغيل .
يأتي العنوان هنا عاما ومشروحا، العام هو (سنين الغيل)، والمشروح هو المحدد بهلالين (سيرة شعرية)؛ الجانب الدلالي اللفظي يحيل إلى أن النصوص تحمل سمة الاستعادة، بالاتكاء على وظيفة ذات بُعد سردي، ولكن بصيغة شعرية، ويأتي العنوان الفرعي (سيرة شعرية) لتأكيد هذا التوجه السردي، ومن واقع مؤشر اللفظ فإن الاستعادة مفتوحة، بمعنى أن السارد في النصوص ربما يكون الشاعر، وربما المكان ذاته، وربما ذاكرات متلقاة سيرتها سماعيا تمت إحالتها إلى نصوص، فضلا عن الاكتنازات المتوقعة للنصوص من واقع الدلالة اللفظية.

في الشق الحروفي، يتضح من نوع الخط بأن الإحالة ذاكرية تعود إلى الماضي، ولكنه الماضي البارز في الذاكرة، فتكبير حواف الحروف، وضخامة كل حرف في تشكيله، يحيل إلى الحفر العميق في الوجدان والذاكرة معا..

(2) ممتلي بروح المغامر
في الجانب اللفظي لهذه المجموعة (ممتلي بروح المغامر)، تتضح صفة الاندفاع، التوثب، الانفتاح، التشظي في التفاصيل، والاستسلام لفكرة التلاشي في البياض، وكأن التكوين الموضعي للعنوان في أعلى اللوحة التشكيلية يؤكد مسار الطواف حول العموميات (اللون البرتقالي) والانغماس في البياض، لتوافق الروح مع ما يشي بجمال مغامرتها، التي تسقط ذلك الجمال منها على (المغامر)، وهذا الإسقاط له خاصيته في النصوص.

الجانب الحروفي هو التلقائية، فنمط الخط مألوف، وانسيابيته واضحة في التكوين، وكونه بارزا بمُعطاه اللوني يجعله متسقا مع التحفز المرتبط بـ (روح المغامر).

(3) باتجاه اشجاري الخضرا
الدلالات التي يحملها عنوان هذه المجموعة، متسقة مع قرار، يحمل صيغة رد على سؤال سابق عليه، وهنا نفترضه هكذا : إلى أين اتجاهك؟ ثم تأتي الإجابة على شكل عنوان هذه المجموعة الشعرية، وإذا افترضنا أن الرد لديه محمولات سيكولوجية من واقع تحليل الغلاف بصفته عتبة أولى، فسوف نفترض الانكسار والحزن من ناحية، والرغبة في اللحاق بما تبقى من (الأشجار الخضرا) من ناحية ثانية، هي مسار ممكنٌ البحث عنه في شخصية النصوص في المجموعة.

في الجانب اللفظي، سنجد أن كتابة العنوان تحاكي اشتعالا ناريا غير واضح الملامح من خلال (توظيف اللون الأحمر)، مع ملاحظة الامتداد الطولي للثبات على الرغم من الاحتراق، وهو ما يدعم الدهشة الأولى بقلة وجود اللون الأخضر في لوحة الغلاف، ومساحة لون الرماد.

(4) تتسع حدقة على آخر مداها
في هذه المجموعة، العنوان يقدم جملة محددة، ذات مشهد بصري محدد، عين مفتوحة على اتساعها، هذا هو المشهد الذي تحيل إليه العبارة، ولكن الفعل المضارع (تتسع) فيه استمرارية غير متوقفة ولا محدودة، فـ العين مستمرة في الاتساع، لماذا؟
هذا يفسره تكوين آخر في الغلاف، وهو محاولة المشاهدة بوضوح، ولكن ليس ثمة وضوح، بدليل اللوحة التشكيلية التي تأخذ حيزا في بياض الغلاف، ويزيد هذه الصيغة الدلالية إيضاحا الشكل الحروفي للعنوان، فهو مكتوب بحروف متداخلة، تكاد المسافات تضيق، والحروف ذات نسق مُكسّر، كل هذا يصب في صالح الدلالات المتعاضدة في تكوين سمة الغلاف.

(5) شق فجرك ظلامي وانجلت عتمتي
يترك هذا العنوان مناخاته مفتوحة على التأويل، فهو من الناحية التركيبية مكون من جملتين، لكل منهما دلالة، مستقلة منفصلة من ناحية، ومتصلة متعاضدة من ناحية أخرى، الأولى (شق ليلك ظلامي)، والثانية هي (انجلت عتمتي)، وما حرف العطف (الواو) إلا خدعة تهدف إلى زيادة مساحة الدلالة، ولكن هذه الخدعة اللفظية ضرورية، لأنها ذات بُعد تأويلي مع مجمل تكوينات الغلاف الأول.

من ناحية أخرى، يمكن ملاحظة أن التكوين في العنوان، بجملتين متتاليتين أفقيا، باللون الأحمر الغامق، شكّل حيزا توكيديا على تحقق المعنى بدلالته، وهو تكثيف معنى النور، في مساحة الموازي البصري الآخر (اللوحة)، على الرغم من وجود الألفاظ المحيلة إلى الليل (فجرك - ظلامي - عتمتي)..

(6) الغرفة بلد
للوهلة الأولى يعطي عنوان هذه المجموعة لغة مباشرة تقريرية، وهي التأكيد على أن الغرفة هي بمثابة بلد، ولأن المجموعة الشعرية عامية فهذا المعنى يخرج من سياقه التقليدي، عندما يتم اختزال البلد في مستوى أقل هي (الغرفة)، وفي الجهة الأخرى يتم توسيع الخارطة المساحية للغرفة، لتصبح هي البلد ذاتها.. ولكن.. من هم الساكنون في التضييق والتوسيع؟
بالنظر إلى الشكل الحروفي لـ (الغرفة بلد) سنجده يميل إلى الهيئة الكلاسيكية، كما أن الانكسارات والزيادات على الشكل الأصلي لكل حرف تشي بالبساطة والقِدَم في الوقت ذاته، ولأنه من حيث موقع تمظهره الوسطي من الأعلى في الغلاف، ويعلو اللوحة التي تشكل رمزية البلد، فإنه أشبه ما يكون بيافطة تعريفية تحمل متضاداتها ومساحاتها الدلالية، وهي تترك ذاتها متمددة في عين رائيها سطحية وعمقا، بساطة وتعقيدا في الوقت ذاته، وهي بهذا التكثف المبسط سيمياء تحصد الانتباه في الغلاف، بسبب الأحجام الضخمة للحروف، مع سَعَة في التأويل..

المتخيل والواقع
من واقع الأغلفة الستة، التي تشكل عتبات أساسية في المجموعات الشعرية الست للشاعر حمود الحجري، يمكن ملاحظة الصلة بين المتخيل الجمالي في الأغلفة، والإحالات الدلالية ذات الوظائف الإبداعية في النصوص، وهذا يعكس اشتغالا عميقا من جانب الشاعر من ناحية، كما أنها تشكل منظورا جماليا تحليليا يدفع المتلقي إلى تجريب مساحة مخيلته قبل القراءة من ناحية ثانية، وصنع توقعات تسبق قراءة النصوص، في الوقت الذي تحصد فيه الأغلفة بُعدا تسويقيا شعريا وليس تجاريا، بالطريقة التي تتناغم فيها عناصر التأمل والتفكر والتخيل والإيغال في فهم أبعاد الغلاف، لرسم مسار استباقي لماهية النصوص..

الأغلفة تقدم مزيجا من الذاكرة الذاتية للشاعر، والذاكرة الدلالية للنصوص، عبر اقتراح مسافة تأويلية أولى، تلك المسافة كفيلة بطرح أسئلة وعي خاصة عبر المتلقي أو عليه، لصنع جسر بين المجموعة ومتلقيها..

خاتمة
لعل ما قلته هنا يضيء جانبا من تجربة الشاعر الجميل حمود الحجري، متمنيا له التوفيق والاختلاف المتكرر..


* ورقة ألقيت في ندوة أدبية حول تجربة الشاعر حمود الحجري أقامتها الجمعية العمانية للكتاب والأباء الأسبوع المنصرم.

عبدالله الشعيبي
كاتب عماني