وفاء الشامسية [email protected]إنّ الأغاني أو الأشعار التي كانت تُقال للطفل في مهده، أو لتهدئته عند البكاء أو الصراخ قد تكون المثال الأقرب والأصدق لأدب الطفل في التراث العربي، وتوجد إشارات كثيرة في أمهات الكتب حول هذا الموضوع، منها ما رواه الجاحظ في البيان والتبيين من أن الزبير بن العوام كان يرقص ابنا له وهو ينشد مرتجزا متفاخرا بابنه الذي ينتسب إلى أبي بكر الصديق، كما روى الراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء" أنموذجا من بحر الرجز لشاعر يصف وجوه أطفاله بأنها كالأقمار جمالا. ويروي لنا صاحب "العقد الفريد" أبياتا رجزية أخرى مما كان يستخدم في ترقيص الأطفال لأعرابي خفيف الظل يشبه حبّه لطفله بحبّ بخيل أتاه المال بعد معاناة وفقر شديدين.ويمكن أن نضيف إلى هذه الأشعار القصص الرمزي الذي رواه لنا الجاحظ في كتابه "الحيوان" وكتاب "المحاسن والأضداد" المنسوب له، أو ما رواه لنا أبو العلاء المعرّي في ثنايا كتابه الضخم "رسالة الصاهل والشاحج" أو ما رواه الأبشيهي في كتابه "المستطرف من كل فن مستظرف".ويشير الدكتور مصطفى رجب في أحد مقالاته حول أدب الأطفال إلى أن تراثنا يشمل: القصص الرمزي على ألسنة الحيوانات والطيور، ومثل هذا القصص يصلح للأطفال في كل زمان ومكان، إضافة إلى مراثي الآباء والأمهات لأبنائهم، وشعر الترقيص، ومراسلات الآباء والأبناء، وعتاب الأبناء العاقين، وقضية وأد البنات وما ورد فيها من شعر تأييدا أو تفنيدا، وتعليم الأطفال، ونوادر المعلمين مع الأطفال في "رسالة المعلمين" للجاحظ.وبتتبع تطوّر أدب الطفل في العالم العربي أودّ الإشارة إلى ما ذكره ناصر (1989، ص18( في كتابه "القصص الفلسطيني المكتوب للأطفال" من العثور في الأدب العربي على بعض المؤشرات الإيجابية التي انفرد بها عن غيره وتميز بها، ومن أهمها الاهتمام المبكر بالتربية الشاملة للأطفال روحياً وجسدياً منذ مجيء الإسلام.ويؤرخ لقصة (الأسد والغواص) كأول قصة من التراث العربي، حيث تعود أصولها إلى سنة 1135م، بينما يختلف الباحثون حول هوية أول كتاب عربي فهناك من يرى أن أول كتاب أطفال عربي حديث هو (النفثاث) لرزق الله حسون من حلب، وكان صدوره سنة 1867، أما أحمد نجيب فقد خلص إلى أن كتاب (القطيطات العزاز) لمحمد حمدي بيك وجورج روب الذي نشرته دار المعارف سنة 1912 هو أول كتاب للأطفال مرسوم ومطبوع باللغة العربية، وأن ما سبقه من كتب لا تتحلّى بالصفات المطلوبة في كتاب الطفل، رغم توجه أصحابها بها إلى الطفل العرب، بينما يرى عبد التواب يوسف أن أقدم قصة عربية هي الأسد والغواص، وهذا ما أشار له علي حمد الله في ندوة أدب الطفل في تونس (1986). كما يعتبر إصدار مجلة روضة المدارس المصرية في عام 1870 ونشرها المواد الأدبية للطلاب والكتّاب مرحلة غير مسبوقة في نشر الكتابات الأدبية للناشئين (زلط، أحمد، 1994، ص14).ويرى العناني أن بعض الدارسين الذين تناولوا تأريخ أدب الأطفال بعام 1875 كبداية لنشأة أدب الطفل في الأدب العربي الحديث دليلهم على ذلك إصدار رفاعة الطهطاوي لكتابه (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) في تلك السنة. ومن قصصه المترجمة حكايات الأطفال، عقلة الأصبع. كما أنه أدخل قراءة القصص في المنهج المدرسي. (العناني، 1996، ص14).أما صبيح فقد أوضح في كتابه (الطفولة في الشعر العربي الحديث) أنّ للأدب العربي دورا بارزا في ميدان القصة؛ فقد أنجز بعض الشعراء الرواد أمثال "أحمد شوقي" شعراً قصصياً للأطفال معبّرين فيه عن ميول هذا السن المبكر ورغباته، فجاءت أشعارهم التي تحكي قصصاً وروايات على لسان الحيوان والطير. "وكان شوقي بأغنياته وقصصه الشعرية التي كتبها على ألسنة الطير والحيوان للصغار رائداً لأدب الأطفال في اللغة العربية وأول من كتب للأحداث العرب أدباً يستمتعون به ويتذوقونه". (صبيح،1985، ص337).وعندما أصدر الشاعر أحمد شوقي ديوان الشوقيات عام 1898 دعا الشعراء في مقدمة الديوان للكتابة للأطفال. وقد تأثر شوقي بأسلوب "لافونتين" كما جاء في مقدمة الديوان. وقد تضمّنت الشوقيات عدداً من الحكايات الشعرية على ألسنة الحيوان. ويعتبر أحمد شوقي بذلك رائداً لأدب الأطفال في اللغة العربية. (ذياب، 1995، ص22).ويشير أبا أسعد في كتابه (تطوّر فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلياته، ص218) إلى أن محمد الهراوي نظم الأناشيد والأغاني للأطفال. وفي مجال الكتابة النثرية ألّف علي فكري عام 1903 كتابه مسامرات البنات. كما وضع عام 1916 كتاباً آخر للبنين سماه النصح المبين في محفوظات البنين. والمحاولات المذكورة سابقاً كانت محفزاً للكثيرين ليتابعوا الطريق، أمثال: عمران الجمل وفايز الجمل، وحسن توفيق، ونعمه إبراهيم، وتوفيق بكر، ومحمد عبد المطلب، وقد غلب على كتبهم الطابع التعليمي. ولعلّنا نستعرض بعضا مما كتبوه في هذا المجال في المقال القادم.