د.وليد أحمد السيد مستشار تطوير التراث العمراني [email protected]
في مفهوم التراث
من الضروري البحث في مفهوم التراث كي نفهم أبجديات وأسس هذا المصطح في مستوى أولي جدا من إعادة توظيفه وتفعيله. فاللافت أن التراث يحتل كمفهوم وكآلية مركزا مهما في الخطاب الثقافي والمعماري العربي وبخاصة في إطار الهوية والمعاصرة. ومع انتشار العولمة كظاهرة عالمية لها تداعياتها على الأمم والشعوب، بدأت صحوة العودة للتراث تجد طريقها لبعض الأمم وبخاصة في العالم الثالث وبين من يناهض أفكار العولمة وأسسها في غزو البنية التحتية للثقافات والشعوب الضعيفة وتفكيك بنيتها وتكوينها الحضاري. ومن هنا تبدت وتتبدى أهمية التراث ومركزيته في إطار التجديد والحداثة وبالذات في إطار تعريف منهجية العودة للتراث، حيث يمكن تعريف منهجيتين متغايرتين في العودة للتراث وتناوله، أولاهما هي العودة للارتكاز، والثانية عودة الاحتماء. وفيما تنبع العودة الأولى من إدراك داخلي للأمة بأهمية التراث وضرورة دراسته وتفعيله وإعادة قراءته ليتبوأ مكانا في الحاضر، تكون العودة الثانية من أجل الاحتماء من خطر التداخلات الثقافية الخارجية مع الآخر، وبالذات العولمة وتداعياتها وإرهاصاتها على الأمم والشعوب. وفي كلتا الحالتين ينبغي تقديم منهجية واعية لإعادة قراءة التراث ولتجنب خطر بعض القراءات الحرفية للتراث والتي تعطي التراث سلطة تجعله ينوب عن الحاضر والمستقبل. فالقراءتان "التراثية للتراث" و"التراثية للعصر" تكمن بهما خطورة تجاوز الماضي للحاضر والهيمنة عليه بخلاف ما تنطوي عليه القراءة العصرية للتراث والتي هي محل جدل العديد من حركات مناهضة العولمة والتجديد والمعاصرة.

ومن أجل إعطاء فكرة عن التعريف الأولي للتراث، نجد أنه لا تخلو المكتبة العربية من البحوث العديدة في هذا الإطار، ناهيك عن العديد من نواتج المحافل الفكرية ومنابر النقاش. وينزع بعض المفكرين الى الاعتقاد بأن مصطلح (تراث) حديث من حيث استخدامه ككلمة متداولة في اللغة بهذه الصيغة، إذ تكاد معاجم اللغة تخلو من تعريفه بهذه اللفظة المحددة، مما يضعها ضمن اطار ايديولوجي اصطلاحي. ويلتمس اللغويون تفسيرا لحرف التاء في كلمة تراث فيقولون أن أصله واو، وعلى هذا يكون اللفظ في أصله الصرفي (وراث) ثم قلبت الواو إلى تاء لثقل الضمة على الواو كما جرى النحاة على القول. يقول ابن منظور صاحب لسان العرب تحت مادة التراث: ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل الواو. وفي القاموس المحيط للفيروزابادي ورد تحت مادة (الارث) الميراث والأصل والأمر القديم توارثه الآخر عن الاول. أما الباحثون المعاصرون فيعرفون التراث تعريفات مضمونها أن التراث هو ما خلفه السلف للخلف من ماديات ومعنويات أيا كان نوعها. أو هو كل موروث في مجتمع معين عن الأجيال السابقة.

الضبط على إيقاع التراث
بدون شك أن مسألة قبول التراث وتفعيله في الحاضر هي من المسائل الخلافية في المجتمعات التي اختلت بوصلتها الثقافية، وتداخلت فيها معطيات الذات والآخر، ومعطيات الماضي والحاضر والمستقبل بشكل فقدت به المرجعية والإطار الشرعي الذي تتأطر بموجبه جميع الفعاليات والسلوكيات والعوامل المساعدة التي تنقل الماضي تجاه الحاضر والمستقبل بشكل طبيعي وشرعي. في الوقت الذي تصبح فيه مسائل من حجم ونوع "توظيف التراث" وإعادة "قراءة التراث" و"تجديد التراث" مطروحة على طاولة البحث والنقاش فذلك يعني أمرا واحدا: أن التراث قد تمت تنحيته عن معطيات الواقع الفعلي كلاعب أساسي وفاعل في ضبط بوصلة التطور والإبداع وفقد مرجعيته الحضارية كمرجع أساسي تتأطر بموجبه معالم الحاضر. التراث في هذه الحالة إما أن ينظر له كملحق، أو إضافة، تابع، مؤثرات تجميلية قد لا تجاوز أبعد من معالجات شكلية وسطحية، أو "كشاهد إثبات" يستحضر إلى وسط زمكاني يبدو فيه غريبا ليدلي باستحقاق حضاري وثقافي واجتماعي وبيئي وعمراني يكون موضع ريبة وشك أكثر منه شهادة حضور وإفادة ورواية لحدث لن يقع وقصة انقطعت حبكتها وغدت سيرة غير متصلة في حياة الأمة.

لعل من أبرز مفارقات انقطاع التراث هي أن الحاضر فقد القدرة أيضا على إنتاج "تراث الغد" أيضا. فتراث "الأمس" المتصل هو "بوصلة" اليوم، و"لاتراث" الحاضر هو "لاهوية" المستقبل. وبكلمات أخرى، فانقطاع التواصل الثقافي والحضاري مع "تراث الأمس" يعني أمرا خطيرا هو أن مفرزات اليوم يتم إنتاجها بغياب "بوصلة" ثقافية وهوياتية واجتماعية وأن المركب بات يسير دون إحداثيات مرجعية، إلا ما تم اختياره "عنوة" ودون تمحيص بمرجعية "الآخر" وليس بالمرجعية الذاتية. في هذا الإطار يبرز التساؤل الأهم وهو: ماذا يعني التراث بالضبط، وما هي أهميته من ناحية معنوية وليس مادية فقط؟

التراث للمجتمع والأمة هو "الساعة" التي تضبط بها حركاتها وسكناتها. التراث ليس قوسا أو مظهرا أو شكلا يتم إفرازه زمكانيا فحسب، هذه نواتج عملية طويلة ومستمرة دؤوبة لا تنقطع. التراث هو "الضابط" الأساسي لإيقاع حركات الأمة وتمظهراتها الثقافية والهوياتية والسلوكية. بالتراث، بمعناه الواسع والشامل للكلمة، هو ما تصحو الأمة وتنام، وتفكر وتسترخي، على أنغام إيقاعاته وذبذباته. التراث هنا لا يعني الماضي مطلقا، التراث هو الحاضر، هو "الوسط الحضاري" الذي تسبح فيه فعاليات الأمة، هو المرجع ونقطة الإسناد الذي يؤطر جميع عمليات "الإستقلاب" والنماء والتطور ورؤية الذات، هو مرآة المجتمع الذي يرى فيه الأفراد والجماعات "ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم" معا في آن واحد. التراث هو توقيت الأمة ضمن مكان وإقليم واحد. تماما كما تضبط الأمة دقائقها وثوانيها في توقيت موحد لأداء وظائفها، هذا الضبط على إيقاع مشترك وهدف واحد يحدث فقط حين يكون هناك "وسط واحد" أجمعت عليه الأمة لحفظ نفسها وكيانها وتسبح في أثيره – اسمه "التراث".

"أزمنة" التراث
للتراث زمنان لا زمن واحد. الزمن الحاضر الذي "يتشكل" ويصنع فيه على الدوام، والزمن الماضي حيث "يأخذ" بعدا ثقافيا متجددا، ويولد فيه مرات ومرات. في كلا الزمنين يتجدد ويتوالد من جديد. في الزمن الحاضر يعيش، وينقى، ويستفتى عليه، ويحيا مرة ومرة. وكذلك في الزمن الماضي، فكل ثانية تمر عليه تعطيه بعدا متجددا تفرضه الثانية المنقضية باستحقاقات الذي تزيد قيمته بمرور الزمن.

مرت هذه الخواطر بي، إذ طفت متجولا في سوق للمنتجات التقليدية والكتب القديمة بلندن. وربما كانت المقاربة التي سأسوقها في غير موضعها تماما فيما يخص تراثنا العربي أو التراث العمراني لكن الشاهد فيما سأسوق يؤدي الغرض لفهم المقصود. في كل ما تقع عليه عيناك في هذا السوق التقليدي ترى أن الأشياء "تكتسب قيمتها المضافة بمرور الزمن". لكن ذلك ليس على إطلاقه، فما يعطي للشيء "قيمته المضافة" كمعطى تراثي هو الجموع التي تكالبت على "البسطات" التي عرضت عليها تلك الأشياء. ولولا إدراك المارة لأهميتها وتقييمهم لقيمة الزمن الذي يجري باتجاه الماضي كنهر دافق ويضيف بثوانيه ودقائقه المنصرمة قيما متجددة لهذه العناصر التقليدية لكانت هذه المعروضات لا تساوي أكثر من لوح الخشب التي عرضت عليه. هناك تجد فانوسا قديما، بساطا، كتابا مضت عليه عقود، تطالعه وتكشف السطور والأحرف وطريقة الطباعة والتجليد والتغليف شيئا من روح الزمن الماضي الذي يعيد للكتاب الحياة في كل ثانية تمضي. هناك المصنوعات اليدوية، من مأكل وملبس ومشرب، وكلها تكشف منحى من نواحي الإبداع البشري والأممي والمحلي فيما قبل عصر "الماكينة"، كلها تتجاوز لحظة "خلقها" الزمنية وترتفع قيمتها مع انقضاء الزمن. الأزياء القديمة، الأثاث وطريقة صنعه وشكله ولونه ومادته، كلها تشي بعناق اللحظة الماضية "الدافقة باتجاه الزمن للخلف" مع "رؤية عميقة لأهمية ومكانة التراث في الحاضر" والتي تعيد "للشيء التراثي" قيمته المضافة والمتجددة وتحييه مرات ومرات.

في هذا المضمون، يعيش التراث أكثر من حياة، أو ربما حياة واحدة دافقة متصلة، بدأت في لحظة ما في الماضي، لكنها استمرت وتجددت مرات لامتناهية عبر اللحظة الراهنة. الكتاب الذي أنتج في القديم، يحيا مرة ومرة في كل ثانية تنقضي، ولا تتوقف حياته عند زمن ماض، بل تزيد قيمته بمرور الوقت. البساط الذي انتجه ذات مرة حرفي بارع، قضى وانقضى، عاش إبداعه أطول من حياة صانعه. وكلما داست الأقدام ذات البساط، كلما "تعتق" أكثر وزادت قيمته، وكلما مضت عليه عقود وقرون، بشرط إدراك معنى "لحظة مولده" كلما زاد التعلق به وهامت به عقول وأحلام مريدي التراث. في مثل هذه المعاني ندرك أن التراث "يصنع" مرتين: مرة في القديم حين تم إنتاجه أول مرة، ومرة في اللحظة الحاضرة، حين تم "إدراك" قيمته المتجددة المرتبطة بمرور الزمن.