إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
.. فالقلوبُ لا تحيا إلا بالخوف من الله، فهو الذي إلى الخيرِ يسوقُها, ومن الشرِّ يحذّرُها ، وإلى العِلمِ والعمَلِ يدفعُها ،بالخوفِ تكفُّ الجوارحُ عن المعاص ، وتستقيمُ على الطاعات , ويَسلَمُ المرءُ من الأهواء والشهوات . بالخوف يحصلُ للقلبِ خشوعٌ وذِلّةٌ واستكانةٌ وانقيادٌ وتواضعٌ لله ربّ العالمين ، يَنشغلُ بالمراقبةِ والمحاسبةِ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ).
الخوفُ من الله يثيرُ دَوامَ ذكرِ اللهِ وصلاحَ العملِ والمسابقةَ إلى الخيرات والزهدَ في الدنيا ، والرغبةَ في الآخرة ويمنعُ الكبرَ والعجبَ والخيلاء، بالخوف ينتفِعُ القلبُ بالنذُرِ والمواعظِ والزواجر، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) (الزمر ـ 23)، وقال تعالى:)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) (الأنفال ـ 2).
الأسباب التي تورث الخوف من الله:
1 ـ تذكر عظمة الله وكبريائه ومعرفة حقارة النفس.فمما يستجلب به الخوف: معرفة أسماء الله وصفاته وقوته وجبروته وعظمته، فمن عرف الله حق معرفته خاف منه حق خوفه، ولذلك كان السلف يقولون: من كان لله أعرف فهو لله أخوف.
قال ابن قدامة: فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة الخوف، وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى، وصفاته، وبعيوب النفس، وما بين يديها من الأخطار والأهوال.
فمن تأمل أسماء الله وصفاته ونظر فيها بعين الإيمان، وتأمل فيها ونظر لنفسه بالعجز، علم وأيقن أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. وهذه بعض النصوص التي تبين قدرة الله وقوته وجبروته سبحانه وتعالى.
فعلى قدر العلم بالله وبأسمائه وصفاته، ومعرفة العبد بنفسه؛ يكون الخوف والخشية، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، ويقول تعالى عن الأنبياء ـ عليهم السلام:(الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ)، وقد وصف الله تعالى الملائكة بقوله:(يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) بل إن الله عز وجل حصر خشيته في صنف واحد من الناس ألا وهم العلماء فقال تعالى:(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).
2 ـ تدبر القرآن: قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته، قال تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ويقول ابن الجوزي:(والله لو أن مؤمناً عاقلاً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الكرسي وسورة الإخلاص بتفكر وتدبر لتصدّع قلبه من خشية الله وتحيّر من عظمة الله ربّه)، وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا) (النساء ـ 41)، قَالَ:(حَسْبُكَ الآنَ) فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ)، ويقول عبد الله الشخير بن عوف ـ رضي الله عنه:(رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء).
وها هو عمر بن الخطاب يقرأ سورة الطور حتى إذا بلغ قول الله عز وجل:(إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) بكى واشتد بكاؤه، حتى مرض وعاده الناس.
3 ـ التفكر في سوء الخاتمة: السعيُ لحسن الخاتمة غايةُ الصالحين، وهمةُ العباد المتقين، ورجاء الأبرار الخائفين، قال الله تعالى:(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وقال تعالى في وصف أولي الألباب:(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار)، ِوقال تعالى عن التائبين:(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ).