حمود الصوافي: من رحمة الله بالإنسان أن حرّم عليه كل ما يضر بعقله وبجسده وبماله وبعرضه أكد الله تعالى تحريم الخمر والميسر تأكيداً بليغاً إذ قرنهما بالأنصاب والإزلام وسماهما رجساً

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ضمن الخطب القيّمة التي القاها فضيلة الشيخ الجليل/ حمود بن حميد بن حمد الصوافي .. اخترنا لك عزيزي القارئ احدى هذه الخطب والتي هي بعنوان:(الخمر .. أم الخبائث ومفتاح الشرور)، حيث ان الخطبة تعتبر من اهم الوسائل الدعوية التي استخدمها فضيلته في هذه الحياة ..
يستهل فضيلة الشيخ حمود الصوافي في هذه الخطبة قائلاً: يَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكم ونفْسِي بتقوى اللهِ، والعملِ بما فيهِ رِضاهُ، فاتقوا اللهَ وراقبوهُ، وامتثِلُوا أوامِرَهُ ولا تعصُوهُ، واذكُرُوهُ ولا تنسَوهُ، واشكُرُوهُ ولا تكفُرُوهُ.
تثير العداوة والبغضاء
وقال فضيلته: وأعلموا أن من رحمة الله تعالى بالإنسان أن حرّم عليه كل ما يضر بعقله وكل ما يضر بجسده وكل ما يضر بماله وكل ما يضر بعرضه، وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الخمر بفنون أضرارها المتنوعة المتعددة التي تتناول العقل والجسد والمال والولد والعرض والشرف والأسرة والمجتمع فهي أم الخبائث وجماع الإثم ومفتاح الشرور والداعية إلى الفجور تقطع الصلات وتثير العداوة والبغضاء وتفضي إلى سفك الدماء واستباحة الحرمات عواقبها وخيمة وعقوبتها أليمه والقلوب المحبة لها سقيمة والبلية بها داهية عظيمة فكم سلبت من نعمة وكم جلبت من نقمة وكم خربت من دار وكم أذهبت من عقار وكم من عقل صحيح نقلته من حالة العدل والتفكير وحصن التدبير إلى حالة الجنون والخيال والفساد الكبير وقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بشربها والمنادمة عليها فلما جاء الإسلام نجح في محاربتها والقضاء عليها حيث أخذهم بمنهج تربوي صحيح وتدرج معهم في تحريمها فأخبرهم أولاً بأن أثمها أكبر من نفعها ثم نهاهم عن الصلاة وهم سكارى ثم حرمها عليهم تحريماً قطعياً، ففي الآيتين أكد الله سبحانه وتعالى تحريم الخمر والميسر وهو القمار تأكيداً بليغاً إذ قرنهما بالأنصاب والإزلام وسماهما رجساً والرجس هو الخبث الذي تستقذره القلوب السليمة وهو لا يطلق بالقرآن إلا على ما اشتد خبثه وقبحه وجعلهما من عمل الشيطان وعمل الفحشاء والمنكر(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وأمرنا باجتنابهما وجعل هذا الاجتناب سبيل إلى الفلاح وبين من أضرارهما الاجتماعية تقطيع الصلاة وإيقاع العداوة والبغضاء والعداوة بسبب الخمر معروفه من قديم الزمان وحديثه لأن الإنسان إذا شرب الخمر وسكر هاذى وافترى وسب وضرب فتحصل بذلك العداوة والبغضاء وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأشج عبد القيس:(ما هذه الشجة التي أرى في وجهك؟ قال: يا رسول الله أن رجلاً من قومي شرب الخمر فسكر فضربني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هكذا تفعل الخمر بشاربها قاتل الله الخمر) .. وبيّن من أضرارهما الروحية الصد عن الواجبات الدينية من ذكر الله والصلاة فشارب الخمر بعيداً عن الصلاح والصلاة ولو حافظ على صلاته لنهته عن ارتكاب المنكرات (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) ولكنهم في غفلتهم ساهون ألسنتهم لاغيه وقلوبهم لاهية (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ثم طلب الانتهاء عنها بأبلغ عبارة آذان بأن الأمر في الزجر التحذير وكشف ما فيهما من مفاسد قد بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية، فلما سمع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ هذا البيان الحاسم كان جوابهم: (قد انتهينا يا رب .. قد انتهينا يا رب)، وروي أن جماعة من الأنصار كانوا جلوساً في بيت أبي طلحه على شرب فسمعوا صوتاً علياً فقال أبو طلحة: قم يا أنس فانظر فنظر ثم رجع فقال: هذا منادي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينادي بتحريم الخمر، وكانت الكاسات في أيديهم فأخذوا يضربون بها الحيطان ويقولون:(سمعاً وطاعة لله ورسوله) ثم ذهبوا إلى السوق وفيها ظروف الخمر فجعلوا يضربونها بالسكاكين حتى سالت في الأزقة، وعن أنس أبن مالك قال: كنت أسقي أبى دجانه وأبى طلحة وأبي أبن كعب شراب من فضيخ التمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجراء فأكسرها فقال أنس: فقمت إلى مهراة لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت) .. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تحريم الخمر والتحذير منها والوعيد عليها، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة)، وجاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(من مات وهو يشرب الخمر كان حق على الله أن يسقيه من طينة الخبال) وهي: عصارة أهل النار وقيحهم وصديدهم، وعن عبدالله بن عمر بن العاص قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الخمر فقال: وأكبر الكبائر وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته)، وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها)، والخمر هو ما خامر العقل فكل مسكر خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثير فقليله حرام فاتقوا الله يا عباد الله وتحلوا بالفضائل وتخلوا عن الرذائل واشكروا الله سبحانه وتعالى على نعمه التي أسبغها عليكم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
الاشتراك مع من يتجر بها
وفي ختام خطبته قال فضيلته: أيها المسلمون :اتقوا الله تعالى واعلموا أن الإسلام إذا حرّم شيئاً حرّم كل ما يكون ذريعة إليه ومن هنا حرم الإسلام بيع الخمر وإهدائها والانتفاع بثمنها فيحرم على المسلم أن يتجر بالخمر ولو مع غير المسلمين كما يحرم عليه استيرادها واصدار رخص لبيعها والاشتراك مع من يتجر بها بأي وسيلة كانت، فعن ابن عباس قال: أهدى رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) راويتي خمر فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أما علمت أن الله حرمها قال: لا فسار إنساناً فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بم ساررته فقال له أمرته أن يبيعها فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزادتي وهما (الراويتان حتى ذهب ما فيهما)، وعن جابر قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح فقال:(إن الله ورسوله حرما ببيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)، وجاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها وشاريها وآكل ثمنها) .. فاتقوا الله يا عباد الله وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَاب)، (ِيَسْأَلوَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

* المصدر: موقع (القبس الالكتروني) لعبدالله القنوبي