ما إن يذكر موضوع الضغوط النفسية إلا ويتسارع كثير من الناس لطلب النصيحة حولها وكيفية مواجهتها وإدارتها، وتكثر الشكوى من حجم الضغوط ومعاناتهم منها، وبطبيعة الحال فإن الفكرة السائدة عن الضغوط النفسية هي فكرة سلبية، كما أن المشاعر المرتبطة بها مشاعر سلبية ايضاً، وهذ صحيح إلى حدٍ ما إلا أننا في هذا المقال سوف نكشف عن الجانب الآخر للضغوط النفسية وكيفية التعامل الأمثل معها.
وبعيداً عن الإسهاب في عرض التعريفات المتعددة للضغوط النفسية فإن الضغوط النفسية في حقيقتها عبارة عن حالة من الضيق والتوتر الشديد، ناتجة عن تفاعل الشخص مع متطلبات وظروف الحياة المختلفة، ترافقها مشاعر الإحباط أو الحزن أو الخوف وتجعل الشخص في حالة دفاعية أو هجومية، وتزيد من سرعة ووتيرة تفاعله مع الموقف إيجاباً أو سلباً، وترتبط بالضغوط النفسية مشاعر مزعجة كالقلق والتوتر عدم الشعور بالأمان، فهي تجربة نفسية غير مريحة، وعند البعض قد ينتج عنها أفكار كالعجز أو اليأس أو الاكتئاب.
إلا أنه وفي حقيقة الأمر إن العامل الرئيس والذي يحدث فروقاً بين الأفراد في إدارة هذه الضغوط النفسية هو مدى تقبلنا لهذه الضغوط وكيفية مواجهتنا لها وقدرتنا على تحمل الإحباط الناتج عنها وتحويل هذه الطاقة السلبية إلى إيجابية إذ أن المبدأ الأساس في علاج الضغوط النفسية هو التوافق والتعايش معها بطريقة صحية وسليمة وليس اختفاءها من الحياة لأنها موجودة بطبيعة الحال.
وعلى الرغم مما سبق ذكره ومما هو معروف ومنتشر بين الناس عن التعب والإرهاق والمشاعر والأفكار السلبية المرتبطة بالضغوط النفسية، إلا أن هناك جانباً إيجابياً للضغوط النفسية بما فيها الضغوط الناتجة عن العمل، يجدر بنا النظر إليه وهذا طبعاً يرجع للطريقة التي يتقبل فيها الأشخاص الضغوط النفسية في حياتهم، وتتمثل إيجابية الضغوط في أن الضغوط ومشاعر القلق المرتبطة بها هو ما يدفعنا للاندماج في العمل، ويولد الدافعية فينا نحو التحدي، بالإضافة إلى كون الضغوط تؤدي للخروج بحلول إبداعية عند فشل الحلول التقليدية، وكذلك إن الضغوط تؤدي لتكوين تقديرعال للذات عند التغلب عليها، ولك أن تتأمل ثقتك بنفسك ومستوى الرضى عن الذات الذي يتحقق بعد تخطي هذه الضغوط وتجاوزها، وهنا نستحضر المقولة المعروفة في أنه لا بد لنا من المرور بأوقات الشدة حتى نستمتع ونشعر بوقت الرخاء. وكل ذلك مرتبط كما ذكرنا بالطريقة التي ينظر بها الأشخاص لتلك الضغوط وطريقة استجابتهم لها.
ولا شك أن مشاعر الإحباط والقلق الناتجة عن الضغوط طبيعية وفطرية لكننا نختلف عن بعضنا البعض في قدرتنا على تحمل هذه الضغوط وقدرتنا على تحمل مشاعر الإحباط واستعادة الدافعية والنهوض من جديد وتعديل أهدافنا واستراتيجياتنا ومراجعة أخطائنا وأساليبنا في تحقيق مرادنا وإشباع حاجاتنا، وهذه مهارات يمكن تعلمها وتطويرها لنكون أقوى وأكثر فاعلية في إدارة الضغوط النفسية.
وتأتي الضغوط عادة من مصادر متعددة وأياً كان مصدرها فإن إدارة الضغوط النفسية يكون من خلال التوافق والتعايش الصحي والسليم معها، وهذا هو المبدأ الأساس في العلاج، وقد يطور الأفراد استراتيجيات وطرق متباينة للتوافق مع هذه الضغوط بمختلف أنواعها، وهذه الاستراتيجيات منها ما يكون فعال ومفيد فعلاً في خفض وطأة الآثار السلبية الناتجة عن الضغوط، ومنها ما يكون على العكس من ذلك ولا تتعدى كونها طرق تقليدية تعود عليها هؤلاء الأشخاص ووسائل هروب أو دفاع نفسية غير مجدية، ولكنهم يخافون من تغييرها أو مواجهة أنفسهم، ويبدأ العلاج بقناعتنا بأن نطور من قدرتنا على مواجهة هذه الضغوط ونرفع من مستوى استعدادنا النفسي لها، وأن نتعلم استراتيجيات التوافق وإدارة المواقف الضاغطة، ومن المفيد هنا ذكر بعض الاستراتيجيات المفيدة ومنها: حديث الذات الإيجابي وتمارين الاسترخاء والتأمل، وتعلم مهارات تنظيم الوقت وتحديد الأولويات والأهداف بطرق تؤدي لجعل حياتنا أكثر تنظيماً وسهولة، وتطوير مهاراتنا في الاتصال والتواصل الاجتماعي، وأن نطور أسلوب حياة صحي وسليم يمكننا من والتوافق مع مختلف الظروف والمواقف في حياتنا الأسرية والمهنية والاجتماعية، وأن نتخلى عن الأفكار اللامنطقية والتي تسبب لنا التعب والقلق ونستبدلها بأفكار أخرى عقلانية وعملية، وكذلك التحرر من القيود التي قيدنا بها أنفسنا وهي في حقيقتها لا تؤدي بنا إلى الصحة النفسية بل تشكل خطراً عليها، كما يمكننا تجاهل الكثير من المواقف الحياتية أو الأشخاص الذين يتسببون لنا بضغط وانزعاج نفسي كبير وهم في حقيقتهم أشخاص غير مهمين بالنسبة لنا، وأخيراً فإن الأمر مرتبط إلى حد كبير بأسلوب الحياة لدينا وطريقتنا في التفاعل والاستجابة لهذه الضغوط إما إيجاباً أو سلباً ودائماً نقول لا تتردد في استشارة الأخصائي النفسي كلما دعت الحاجة لذلك وهي أولى خطوات التغيير الإيجابي نحو حل المشكلة.

د. خالد بن علي العمري
مركز الإرشاد الطلابي
جامعة السلطان قابوس