كما هو معروف تعاني عمان شأنها في ذلك شأن الدول الخليجية الأخرى وعدد من الدول من عجز في موازناتها بسبب الانخفاض الشديد في أسعار النفط، المصدر الرئيسي لإيراداتها. وإجمالا وعند حدوث عجز كبير في الموازنة العامة في الدول المختلفة فإن الآثار التالية تكون مصاحبة لها: أ- نشوء عجز كبير في الموازنة وتعرض العملة الوطنية للضغوطات نتيجة للعجز في ميزان المدفوعات. ب- ركود اقتصادي حاد. ج - السحب من الاحتياطيات والاقتراض من الخارج وتأمين الودائع بالنقد الأجنبي لمواجهة الوضع المستجد. عموما فإن وسائل العلاج تتمثل في الآتي:١- ضغط النفقات: وهذا يعالج الأثر الأول والمتمثل في نشوء عجز في الموازنة وذلك بإعادة التوازن ويتم ذلك عن طريق ضغط نفقات الدولة بمقادير تتساوى وإيراداتها المالية كما يعالج جزءا من الأثر الثاني والثالث المتمثل في نشوء عجز في ميزان المدفوعات وذلك لانخفاض واردات الحكومة السلعية نتيجة لضغط نفقاتها، اما واردات القطاع الخاص فإنها تستمر لفترة ما قبل ان تنخفض. اما فيما يتعلق بالأثر الثاني والمتمثل في نشوء ضغط على سعر الصرف فإنه يعالجه جزئيا نظرا لأن الضغط على سعر الصرف ناتج عن مشاكل في ميزان المدفوعات، وهذا الإجراء يعالجه جزئيا كذلك، غير انه لا يعالج الأثر الثالث " الركود الاقتصادي"، بل يضخمه لأنه يقلص نشاط الحكومة الى حد كبير وبالتالي يقلل من نشاط القطاع الخاص بنفس النسبة، الامر الذي يزيد من حدة الركود الاقتصادي الذي يؤثر سلبا على النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث ان تأثيره على الاقتصاد الخاص يظل متسلسلا، بمعنى ان تأثر شركة يؤدي الى تأثر شركة اخرى وهو بدوره يؤدي إلى تأثر البنوك " حلقة مفرغة". وكل ذلك يؤدي ليس الى عدم القدرة على وضع حلول للمجاميع المتزايدة من الباحثين عن عمل بل الى تسريح الآلاف منهم كما انه يبقى عصيا بسبب ان الجزء الأكبر من النفقات يتمثل في بند الرواتب في القطاع الحكومي الذي تضخم بشكل كبير اضافة الى المصاريف الجارية والاستهلاكية الأخرى. ٢- فرض الضرائب: يعالج الأثر الاول جزئيا والمتمثل في العجز بالموازنة وذلك بفرض الضرائب المختلفة. وهناك إمكانية محدودة لزيادتها مما يقلل من فعالية هذا الإجراء. وفيما يتعلق الأمر بالأثر الثاني: " نشوء عجز في ميزان المدفوعات" فإن هذا الإجراء يعالجه جزئيا وذلك لأن زيادة الضرائب تقلل من دخول الأفراد والشركات وبالتالي يخفض طلبهم للسلع في الأسواق مما يُحد من كمية واردات السلطنة السلعية. وفيما يتعلق بالأمر الرابع " نشوء ضغط على سعر الصرف" فإن هذا الإجراء يعالجه جزئيا أيضا لأن علاجه لميزان المدفوعات كان جزئيا ايضا. ٣- الاقتراض والسحب من الصناديق الاحتياطية: من الناحية الفنية هناك حدود على إمكانية الاقتراض ولا سيما اذا كان من اجل تمويل الاستهلاك وليس لبناء مشاريع تنموية تتمكن ان تسدد اقساط القروض وكذلك هناك حدود ناهيك عن الصعوبات التي قد تواجهها أية دولة بالاقتراض في مثل هذه الظروف. وكذلك هناك حدود للسحب من الاحتياطي باعتباره غير جائز فنيا لأنه يعتبر صِمَام الأمان عند حدوث الأزمات الكبرى. ٤- تعديل سعر الصرف: من ناحية العجز في الموازنة العامة فإن هذا الإجراء يستفاد منه كثيرا لأن العائدات بالعملة الوطنية سوف تبقى كما هي ولكن ستظل هناك فروقات الفوائد للقورض الخارجية وأقساطها حيث انها مرتبطة بالعملات الأجنبية،اضافة الى بعض العقود العسكرية. من الناحية النظرية فإن هذا الإجراء هو الأقدر على تقليل العجز لأنه سيرفع اسعار السلع المستوردة وبالتالي سوف يؤدي الى تخفيض الاستيراد عموما مما يؤدي الى تحسين ميزان المدفوعات كما سيشجع بعض الصادرات. ولكنه سيسبب ركودا اقتصاديا، غير ان التخفيض يساعد على علاج الموضوع فيقل الطلب على العملات الاجنبية وأهمها الدولار في حين سيظل التعامل داخليا بالعملة الوطنية دون تأثير كما ان ذلك سيعني تخفيضا كبيرا في الرواتب وبالتالي تخفيض نفقات الحكومة وسيصاحب ذلك تضخم هائل من الصعوبة تحمله كما يؤدي الى بطء كبير في النشاط الاقتصادي. ما هي الخيارات المتاحة إذن؟ الخيار الأول : ترك هبوط اسعار النفط تنتج أثرها بالكامل على مستوى النشاط الاقتصادي مثلما حدث في دول عديدة. الخيار الثاني : عكس الخيار الاول عن طريق التوسع في الإنفاق والتضحية بالتوازن على أساس ان العجز سيدبر ماليا سواء بارتفاع أسعار النفط، بالاقتراض والسحب من الاحتياطي او طبع العملة " البنكنوت". هناك ثمن غال جدا لذلك. فالتضخم لا بد حاصل. والاقتراض من الخارج في وضع كهذا يعتبر مخاطرة غير محسوبة وربما صعبة جدا. الخيار الثالث: تخفيض العملة الوطنية: نظريا كلما كانت نسبة التخفيض اقل كلما كانت صلاحية العلاج لميزان المدفوعات اقل. ما هي الخيارات المتاحة في عمان : محاولة ضمان الاستقرار الاقتصادي واستمرار النمو ولو محدودا مع الحرص على تحقيق نوع من التوازن. وفي عمان فإن الحكومة ووزارة المالية تبذل جهدا لضمان الاستقرار المالي والاقتصادي والمحافظة على النمو ولو محدودا مع الحرص على تحقيق التوازن. والصعوبات التي تواجه صانع اَي قرار في مثل هذه الظروف ليست سهلة، الأمر الذي لا بد ان يدفعنا الى البحث عن حلول اقتصادية وعدم الاكتفاء بالحلول المالية والمحاسبية والتقليدية. هناك حدود لا يمكن تخطيها لتقليل النفقات وخصوصا ان اكثر النفقات هي لتغطية الرواتب. وأعداد الموظفين تفوق نحو خمسة أضعاف ما نحتاجها. ورفع الضرائب لها حدود من الصعوبة تخطيها قبل ان تنقلب الى عكسها. وتخفيض سعر العملة لها تبعات سلبية مختلفة منها ارتفاع الأسعار والمطالبة بزيادة الأجور من الوافدين والمواطنين وزيادة تكلفة الخصوم المقومة أصلا بالعملات الأجنبية وتباطؤ في النشاط التجاري بشكل كبير كما ان تأثير ذلك على صادراتنايبقى محدودا بسبب عدم وجود سلع تذكر لتصديرها ولأن اكثر المواد الخام المستعملة في الصناعات مستوردة والأكثرية العظمى من القوى العاملة وافدة والتي سوف تطالب بزيادة الأجور. فما هي الحلول المتاحة في اعتقادي؟ ١- تخفيض الإنفاق الاستهلاكي المتعاظم والتركيز على المشاريع الإنتاجية المولدة للدخل والموفرة لفرص العمل كما ان توفير القروض لهاأسهل. ٢- تعديل كل القوانين والإجراءات ومن ضمن ذلك قانون العمل أو سن قوانين جديدة لإيجاد بيئة صديقة للاستثمارات الداخلية والخارجية وتحويل عمان الى مركز مالي اقتصادي تجاري وسياحي جذاب. والسياحة بجميع أنواعها سوف تجذب تدريجيا مليارات الدولارات كما سوف توفر فرص عمل هائلة. ٣- دراسة كل الوسائل الممكنة لتخفيض عدد العاملين في الجهاز المدني ولاسيما هؤلاء الذين لهم مصادر دخل اخرى والبحث بأنجع الطرق الممكنة في تطبيق القانون المتعلق بتعارض المصالح الخاصة والعامة وبحث كل الوسائل العملية لإعادة تدريب أعداد اخرى وإلحاق من يمكن إلحاقهم بالقطاع الخاص والتفكير في وسائل لتحفيزهم وتشجيعهم بتقديم رواتب اعلى الى الذين يتركون الخدمة الحكومية طواعية.٤- اعادة هيكلة الدوائر والوزارات المختلفة التي تؤدي الى تضارب الصلاحيات والبطء الشديد في اتخاذ القرار وتخفيض اعدادها. ٥- العمل بكل الطرق الممكنة لتجنب حصول ركود اقتصادي شامل وما قد يفرزه من آثار اجتماعية وسياسية غير محمودة. ٦- الإصلاح الشامل والجذري للمنظومة التعليمية والتدريبية. ٧- خطة للتحول الاقتصادي والحكومي الشاملين. ٨- تحديد أولويات المشاريع التي يمكن تنفيذها خلال هذه الفترة ضمن الموارد المتاحة وبحيث تكون مدرة للدخل وموفرة لفرص العمل. ٩-- تنسيق أنشطة الوزارات والأجهزة الحكومية ذات الصِّلة وتحديد اختصاصاتها ومسؤوليتها بدقة وتلقي تقارير متابعة وشفافة ربع سنوية ملزمة خاضعة للمساءلة من الجهات الحكومية ووضع مقاييس كمية ونوعية لقياس العمل المنفذ. ٨- المكننة التدريجية للأنشطة الاقتصادية والخدمية لتقليل اعداد اليد العاملةالوافدة وتقليل نزيف التحويلات للخارج. ٩- وضع الاقتراحات لتعظيم الإيرادات العامة للدولة من قبل لجنة متخصصة مستقلة ومن ضمنها الزام جميع المؤسسات والعقارات للتدقيق خلال فترة زمنية معينة تمهيدا لإخضاعها للنظام الضريبي وفرض مبالغ مقطوعة عليها خلال هذه الفترة. ١٠- اخضاع جميع الشركات الحكومية لنظام الحوكمة تمهيدا للخصخصة وسن قوانين مناسبة لحفظ حقوق الأقلية في جميع الشركات.١١ - اعداد أحسن العناصر المهنية لتنفيذ الخطط والسياسات. ١٢- تقوية " وحدة التنفيذ والمتابعة" والمحافظة على استقلاليتها لمراقبة عملية التنفيذ ورصد أية صعوبات او انحرافات عن خط السير المرسوم ومتابعة الخطط والمشاكل الناتجة من التطبيق الفعلي. وفِي الأخير علينا ان نعي بعدم وجود حلول سحرية أو سهلة وما من سبيل الا جلوس الجهات المعنية مع نخبة من المتخصصين ومنظمات المجتمع المدني لطرح المشاكل والحلول. ولا بد ان نتذكر ان عمان تمتلك نخبة جيدة وكفؤة، ومن المحزن ان نرى كثيرين يصابون بالصدأ وبرودة الحماس. ولست أعرف لماذا لا تلتقي الإمكانيات الكبيرة مع نخبة من الرجال والنساء المستعدين للعمل. وهذا الرصيد الإنساني من منجزات النهضة المباركة، قادر أن يتحمل مسوؤلية نقلة حضارية تستطيع ان تجعل عمان في وضع يسمح لها بأن تتجاوز الصعوبات الحالية وأن تواكب العصر والعالم والعقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.مرتضى بن حسن بن علي[email protected]