ناصر بن محمد الزيدي:الحمـد لله رب العالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق ورسـول الحـق إلى الناس أجـمعـين ، وعـلى آلـه وأصحـابه الغـر الـمـيامـين الطـيبين الطـاهـرين ، وعـلى الـتـابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:فـلا زال الحـديـث مـوصـولاً للاقـتـداء واتخـاذ الأسـوة الحسـنة، قال الله تعالى:(مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء ـ 80)، كـذلك أمـرنا الله أن نـقـبـل ما أتـانا به الـرسـول محمد (صلى الله عـليه وسـلم)، وأن نـنتـهـي عـما نهـانا عـنه، حـيـث قال عـز وجـل:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحـشر ـ 7).وحـذرنا الله عـدم اتباعـه أو مخـالـفـة أمـره بقـولـه تعـالى:(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الـنـور ـ 63)، ثـم عـرفـنا الله سبـحانه وتعـالى أن محـبة الله للـمـؤمنـيـن، ومحـبـة الـمـؤمنـيـن لله في اتـبـاع رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) قـال تعالى:(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عـمـران ـ 31). قـدوة وأسـوة حـسنةإذن: فالعـاقــل اللـبيـب الحـريـص، الـذي يحـب ويـرضى أن يـكـون الـرسـول الكـريـم لـه قـدوة وأسـوة حـسنة، وبالأنـبـيـاء والـرسـل الكـرام، وقـد أمـر الله رسـوله (صلى الله عـليه وسـلم) الاهـتـداء بـهـداهـم، حـيـث قـال جـل ثـناؤه:(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ) (الأنعـام ـ 90). والأنـبياء والـرسـل الكـرام عـلـيهـم الصلاة والسـلام، لهـم مـنـزلة عـاليـة لـدى قـلـوب جـمـيـع الـمـؤمنـين، فالإيمـان بهـم جـميـعـا هـو عـين الـدين، قال الله تعـالى:(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقـرة ـ 285). فأبـو الأنبيـاء خـلـيـل الـرحـمن قــدوة حسـنة لـنـا، قـال الله تعـالى:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحـنة 4 ـ 6)، والنـبي إبـراهـيـم هــو الـداعـية الأول لعـقـيـدة التـوحـيـد، وصاحـب الحـنفـيـة السمحة، ومـقـاوم للـشرك والـوثـنية، وقـد أثـنى الله عـليه في كتابه حـيـث قال الله تعـالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الـنحـل 120 ـ 121).وكـيـف لا يـكـون إبراهـيـم أمة وقـد آتاه الله رشــده وهـو صـغـير، وقــد وقـف هـو والـذين مـعـه ذلـك الـمـوقـف الحـازم، فـيـقـول الله تعـالى:(.. إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ..) (الممتحنة ـ 4) .. اللهـم اجـعـلنا قـدوة صالحة للخـير، وأسـوة حسـنة للـمـتـقـين مـن عـبادك الـذين شـعـارهـم دائـم قـوله تعـالى:(.. وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الـفـرقان ـ 74).الــدين والحـياة إن مـن طـبـيـعـة الإنسـان السـوي، يـريـد أن يعـيـش حـراً طـلـيـقـاً، غــير مقـيـد بشيء مـن الأمـور التـكلـيـفـية، ويـنفـر مـن التـكالـيـف التي تحـد مـن تصـرفاته، ذلك لأن الإنسان يـريـد أن يـظهــر اعـتـداده بنفـسه مـن بيـن سـائـر الـمخـلـوقـات، ويظـن أن تـلك التـكاليـف هي التي تحـول بـينـه وبـين حـرية التصرف، ولـكـن الإنسان لـو فـكـر قـليـلا ورجـع إلى نـفـسـه النـفـورة، ونـظـر إلى تـلك الـتكالـيف، لـوجـد أنهـا هـي التي تعـطـيه السـيادة والـريادة عـلى سـائـر الـمخـلـوقـات، وهـنا تـظهـر الحـكـمة مـن اخـيار الله أن يكـون خـلـيفـة في الأرض عـن سائـر الـمخـلـوقات، ولـمـا ظهـر فـضـل تكـريـم الله لـيني آدم عـلى كـثير مـن سـائر الخـلـوقـات.إن الإنـسان لـو أعـطي حـرية الـتصـرف في كل شـيء، لـوجـد نفـسه رقـيـقـاً مسـتعـبـداً خـاضـعـاً لهـواه، فـهـو يـريـد أن يـشـعــر بـقـوته في التـفـكـير العـقـلي، فـهـو دائـما يتساءل لـمـاذا يـقـيـد؟، وبأي حـق يـقـيـده الآخـرون؟، وهـل هـم في تـقـيـيـدهم إياه منـصـفـون أو متحـكـمـون؟.إن تلك بعـض الأسـئلة التي تجـعــل الإنسان مشـغــول البال بها، فـإذا استـطـاع أن يجـيـب عـن بعـض تلك الأسـئـلة الـمحـيرة، في نفـسه إجـابات مـعـقـولة أو قـريبة مـن الـمعـقـول بحـيـث يطـمئـن إليـها، أو أن يسـمـع مـن غـيره إجـابات تـريحـه أو تـقـنـعـه وإذا مـا قـبـل مـبـدأ التـقـيـيـد، والـنـزول عـن حـريـته واعـتـرف بحـق الـذي يـقـيـده، ويـذعـن لـسلـطـانه، لأن تـقـيـد الـفـرد كـفــرد هــو في الحـقـيـقـة حـرية له، لأنه إن قـيـد هـو كـفـرد، فإنـما قـيـد آخـرون مـن أجـلـه، فـهـو الـرابـح في ذلك التـقـييـد أولاً وآخــراً.فإن أدرك الإنـسان أن ذلـك الـتـقـيـيـد هـو الحـرية الحـقـيـقـية، ونظـم حـياته عـلى وفـق ذلك التـقـيـيـد، طـائـعـاً مخـتاراً حـتى يصبح بعـد فــترة مـن الـزمـن أمـراً مألـوفـاً يحـبه ويـرضـاه، ويـدافـع عـنه ولا يـرضى به بـديـلاً، بـدلا عـن الانـطـلاق بـلا حـدود يعـيث في الأرض فـساداً، أما إذا لم يـقـتـنع بالإجـابات النفـسية الـذاتية أو الخـارجـية عـن هـذه الأسـئلة ، أو عـن بعـضها عـلى الأقــل فـإنه يـثـور عـلى هـذا الـتقـييـد أو عـلى مـن يحـاول فـرضه عـلـيه أو يـسـمح بالـدفـاع والتخـلـص مـنه في خـفـية، كلـما أمكـنـته الـفـرصة للـتخـلـص وأمـن مـعـه عـلى نفـسه ومالـه وعـرضـه، وما يهـمه مـن أمـر حـياته.لهـذا كانـت كل الـقــوانـين والتـكاليف محـتـاجـة إلى دعـائم ثـلاث لـكي تـثـبت وتسـتـقـر وتــؤدي إلى الـغـاية المنـشـودة منها، وتصـبح في نـظـر الـمجـتـمع قاعـدة قـويـة للـتـعـامـل والسـلـوك، بـين أفـراد الـمجـتـمع البـشـري، تلـك الـدعـائـم الـثـلاث هـي: إقـناع الـمـكلـفـين بحـاجـتهـم: إلى قـبـول مـبـدأ التـقـييـد في الجـانـب الـمعــين الـذي يـراد الـتـكـلـيـف به، وفـرض أي نـوع مـن أنـواع الالــزام والالـتـزام فـيه، وإقـناعـهم بـشـرعـية السـلـطة التي عـنها يـصـدر هـذا الـتـكلـيــف وهـذا التـقـييـد، ومحاسـبة الجـمـيـع عـنـد الاخـلال بشيء مـن تلك التكاليـف، مـن أي فـرد مـن أفـراد الـمجـتـمع، مهـما كان مسـتـواه الـثـقـافي أو الـوظـيـفي أو الـمالي أو العـائـلي، وإقـناع المـكلـفـين بأن هـذا الـتـقـيـيد: قـد جـاء عـلى قـدر الحـاجـة فــلـم يـشــطــط ولـم يـسـرف، وفي مجـالات لا تـتجـاوز إلى سـلـب الـحـرية الـمكـفـولة للـجـميـع وإلا كان الأمـر إلى السـلـب أقـرب منه إلى الحـرية والإيجـاب... وللحـديث بقـية.