لا يختلف اثنان بأنّ التواضع يزيد الانسان رفعة ووقارا، ونعمة لا يحسد عليها، وشرفاً يزدان به الانسان خلقاً وبهاءً، وضده التكبر والإعجاب بالنفس فهما يسلبان فضيلة الانسان، ولا يكسب منهما سوى الرذائل والخصال السيئة كما يجعلانك مذموما ممقوتا، فتحرم نفسك من التآلف بين أفراد المجتمع فمن تكبر على الأخرين فقد أخبرهم بذلّ نفسه وذمّها، ومن تواضع فقد أخبرهم عن كرم طبعه وعظيم صفاته.

ولا ريب أنّ ديننا الحنيف أوصانا بحسن التعامل مع الآخرين واعتبره من الأولويّات التّي لا غنى عنه مهما كان نمط حياتنا، مما يعني أنّ العناية بعلاقاتنا واللباقة في التعامل أمر مرغوب فيه، إذ يحقّق للمرء مدنيّته التّي تميّزه عن حياة الكائنات الأخرى. فحسن التّعامل والتواصل مع الآخر ملح الحياة به تستطيع أن تشخص الإنسان وتحدد سلوكياته في التعامل، ولذا نتطرّق إلى بعض تجلياته عسى أن نستفيد منه في تحسين علاقاتنا مع الآخرين. فهو لئن بدا كثير من مظاهره أمرا بديهيّا، وإن كان التواضع بهذه القوة التي تسحق النفوس المتعاليه..!! فما التواضع إذن..؟
إنّه باختصار فن التعامل مع الآخرين بسلوك وذوق وأخلاق وتصرف حسن أثناء اللقاء والحديث والتواصل دون إفراط؛ لأن التصرف الحسن في التعامل يبهج النفس عند السلوك به ويسعد الآخرين حينما نتسم بصفة التعامل والذوق الرفيع. وبقدر ما نوظف سلوكيات التواضع ونمارسها في حياتنا ندنو من العظمة فليس أجمل من التواضع في السلوك. وذهبت في هذا المذهب آيات قرآنية كثيرة على التعامل بلطف ولين وتواضع كقوله تعالى:» ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمش في الأرض مرحا، إنّ الله لا يحب كل مختال فخور». وعليه وجب أن نسعى الى تنمية فضيلة التواضع الّتي يقول عنها الشاعر البريطاني، ألفرد تنيسون بأنها كل الفضائل وهو كذلك ـ حسب رأيه ـ لأنّه النّبع الّذي منه تنبع كلّ الفضائل لتصبّ في بحر الإنسانيّة على المستويين الفكريّ والرّوحيّ.
ربما نتصور أنّه ثمة علاقة عكسية بين التكبر والتعامل لأن التكبر صفة مذمومة فمن يتكبر على الخلق كيف سيتعامل معهم برفق وعطف ولين؟ وأنّى له الرفق وهو فاقد لمدلولاته وأنّى له التعامل الحسن وهو متغطرس في تعامله متكبر في سلوكه أمام الملا ولا يخشى اللوم والندامة من أحد.
إنّ العادات والتقاليد في التعامل تختلف من بلد إلى آخر كل حسب طباعه وما جبل عليه بيد أنّ ثمة عادات تسود فقط في المجتمعات الراقية، وكل إنسان يستطيع أن ينتهج منها ويكتسبها بالتعلم والألفة وهي ما عرفه الفرنسيون بـ(Etiquette) بمعنى الايتيكيت وما تعنيه من أداب عامة يجب التحلي بها للتعامل مع البشرية والموجودات وهو مفهوم يعكس احترام الشخص لنفسه، وتقديره للآخرين بحسن الخلق.
إن ما يدهشني حقاً تعاظم صغار النفوس لنفوسها التي رفع المال وضعها، او علت بها الوظيفة إلى معالي الغرور والتكبر والتيه، فصنعت لهم عقدة نفسية، فصاروا كالذبابة التي تحوم على طبق فاخر من الغذاء، أو كقراد علق بجمل ذا هيبة وشموخ. إذا فلنحسّن سلوكياتنا ولنهذبها؛ وإن اتضح انها تعمد وتميل الى التكبر فلنصلح ذواتنا ولنحترم الرأي الاخر، ولا ينبغي أن نحبس أنفسنا ونقيدها على عدد محدود من أساليب التعامل بل يمكن أن نأخذ من باقي الحضارات ما يناسب حاجاتنا وطبائعنا شريطة أن لا يتنافى مع ديننا السمح الحنيف. ولندرك بأن التواضع سور يحمي فضائل الانسان.

د. خلفان بن محمد المبسلي
[email protected]