[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/tarekashkar.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]طارق أشقر [/author]
قبل تطور الفضاءات السيبرانية، كان مصطلح "العصفورة " يطلق على المصادر الخاصة، والتي غالباً ما تكون مصادر مخابراتية قد تؤدي المعلومة المستقاة منها إلى اتحاذ قرارات حاسمة في أمور قد تكون مصيرية، غير أن القرارات ذاتها يتم اتخاذها عبر قنوات تقليدية، فيما يحرص متخذوها على على أن لاتتخطى عملية اتخاذ القرار أي مرحلة من المراحل التراتيبية المعهودة.
أما في الراهن التكنولوجي المعاصر، تطورت التركيبة المفاهيمية لمصطلح "العصفورة " وأضيفت إليها صفة "الزرقاء"، ليس تيمناً "بزرقاء اليمامة " تلك المرأة العربية التي أوردت الأساطير بأنها كانت ترى الشخص على مسيرة ثلاثة أيام. ليس الأمر كذلك لأن "العصفورة الزرقاء" في هذا المقام نتاج ثقافة "غربية" صرفة لها خصوصياتها الثقافية الغربية المنشأ والفكر، ولاعلاقة لها بالثقافة العربية إلا في إدمان الاستخدام لسماواتها فحسب.
إنها "العصفورة الزرقاء" التي تحلق بحرية غير مقننة في الفضاء السيبراني، وتحديداً في سماوات عالم "التويتر"، الذي كان أن يؤسس رغم "افتراضيته" لمفاهيم جديدة في حكم العالم والتحكم في مصائر الناس، سواء بتغريدات زعماء العالم بكل ماتعني كلمة " الواقعية "، أو بمناقشة قضايا مصيرية قد ينتج عن مناقشاتها اتخاذ قرارات مصيرية أيضاً ليست أقل أهمية من القرارات التي كانت تتخذ كاستجابة لمعلومات العصفورة التقليدية القديمة في عالم ماقبل الانترنت، او حتى في حشد الشعوب وصناعة الثورات وغير ذلك من التداعيات التي كانت تلي حالات استخدام وسائل التواصل لأهداف سياسية.
وفي سياق التوظيف السياسي للعصفورة الزرقاء التي يقصد بها "التويتر " ، انشغلت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة على الورق والشاشات خلال الأسبوع الماضي بتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر التي حذر فيها إيران كاتباً :" إن طهران تلعب بالنار" ، معلقاً بذلك على أحدث تجربة ايرانية على صاروخ بالستي متوسط المدى في الأسبوع الماضي أيضاً.
وما استوقف المراقبون، وزاد مخاوفهم من دور مستقبلي أوسع للعالم الافتراضي في مصائر الناس في العالم الواقعي، لم تمر تغريدة الرئيس الأميركي مرور الكرام كأي تغريدة عادية يتداخل بشأنها المتداخلون ممن أضافوا ترامب أو أضافهم هو ضمن المتداخلين معه، بل انطلقت "العصفورة الزرقاء" هذه المرة من العاصمة الإيرانية طهران ، حيث أطلقها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مغرداً الجمعة الماضية ليكتب:" إيران لن تعبأ بالتهديدات لأن أمننا يستند إلى شعبنا، ولن نشعل حرباً أبداً، لكن لايمكننا الاعتماد على شيء باستثناء وسائل الدفاع الخاصة بنا".
بهذا السجال الأميركي الإيراني الذي يأخذ طابعاً ممزوجاً بين السياسي والعسكري، تعلو في الأفق نبرات عديدة بطبقات صوت مختلفة بينها ما هو تهديدي، وماهو ردعي، وما هو استراتيجي ايضاً. غير أن الأمر برمته يقود إلى تساؤل أقوى من قوة اللحظة بمختلف مرئياتها العسكرية والسياسية، ألا وهو تساؤل ما إن كانت العصفورة الزرقاء ستحكم العالم مستقبلا أم لا ؟.
وبما أن خطوط العلاقة بين العالم الافتراضي الذي تغرد في سماواته عصفورتا ترامب وظريف، والعالم الواقعي الذي تعيش على أراضيه المليارات من الشعوب ذوي الأرواح الحية الذين بينهم مئات الملايين من الأميركان والإيرانيين وماحولهم من الشعوب الأخرى العربية والآسيوية والباسفكية والأوروبية، إلا أن المسافات بين العالمين يمكن أن تقربها لحظة انفلات سياسي في اتخاذ القرارات التي ينبغي أن تكون مساراتها القنوات الطبيعية التي عرفتها نظم إدارة حياة الشعوب منذ القدم، وبهذا ربما يكاد السؤال أن يجد الإجابة لتكون نعم، ولكن لا نرجو ذلك.
وعليه ورغم "مايجب أن تكون " عليه الممارسة السياسية وإدارة شؤون الناس، ستظل العصفورة الزرقاء ماضية في طريقها إلى أن يكون لها كبير الدور والأثر الأقرب للتحكم في مفاصل التعاطي مع مجريات الحياة بمختلف قطاعاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. والسياسية التي نتمنى أن تكون في آخر اهتمامات هذه العصفورة الرقيقة الساحرة المظهر والخارقة الانطلاق.