حارة العقر في نزوى .. تلك الديار فما ضر الذين نأوا عنها بحكم النوى لو أنهم رجعوازار أطلالها : خلفان الزيديعند أي باب تقف في حارة العقر في نزوى، وعلى أي درب تسير، وفي أي دار تحط رحالك، فإن ذاكرة عالم وأديب، أو فقيه وقاضٍ ستنبعث من داخل الدار أو على وقع خطاك في الطريق، وينبئك المكان عن الذين كانوا هنا، وسطروا بأسمائهم صفحات زاخرة بالعطاء، وحافلة بالمواقف، وزاهرة بالمؤلفات، فكانوا نبراس هدى لمن جاء بعدهم، بهم يقتدون وعلى آثارهم سائرون.في كتب التاريخ العماني، وبين صفحاته وسطوره، تندس حارة العقر كشاهد على الأحداث، وجزء أساسي منها، وإذا ما جاء ذكر نزوى، فإن حارة العقر بمعالمها وشخصياتها لا تغيب عن هذا الذكر، ويكفي أنها انجبت من العلماء والفقهاء والقضاة، ما تضيق عن ذكرهم المؤلفات، وتمتلئ بهم الكتب والموسوعات، ويكفي أن يذكر اسم الشيخ أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري أحد حملة العلم من البصرة إلى عمان، لنعلم قدر ومكانة من سكن واستوطن هذه الديار.وكان الشيخ بشير يلقب بالشيخ الكبير في الأثر المشرقي وله مكانة علمية واجتماعية كبيرة في عمان في القرن الثاني الهجري وكان أحد الحاضرين لبيعة الإمام الجلندى بن مسعود في سنة 132 هجرية.وعندما عقد العمانيون الإمامة لمحمد بن أبي عفان كان الشيخ بشير الرجل الثاني في الدولة بعد الشيخ أبي جابر موسى بن أبي جابر الإزكوي، وقد تسلسل العلم في ذراريه فولده المنذر من فقهاء القرن الثالث الهجري وولده الحكم ثم حفيده المنذر بن الحكم بن بشير بن المنذر من فقهاء القرن الثالث الهجري.واليوم يمثل مسجد البشير بن المنذر، أحد المساجد المعروفة في نزوى عموما، وفي حارة العقر خصوصا، ويقال إن بناءه الأول كان في القرن الثاني الهجري.وليس مسجد البشير بن المنذر وحده ما يبرز بين مساجد حارة العقر، فمسجد الشواذنة، يعتبر من أوائل المساجد التي بنيت في عمان، وقد بني في العام السابع من القرن الأول الهجري، وتم تجديده عدة مرات، آخرها في عهد النهضة العمانية الحديثة، حيث تم ترميم المسجد مع المحافظة على نمطه المعماري القديم، والإبقاء على محرابه الذي توضح نقوشه الأساليب الفنية في المحاريب العُمانية.بالاضافة إلى مسجد الشجبي، الذي قام ببنائه العلامة أبو القسام سعيد بن محمد بن عبد الله الشجبي مجددًا بناءه الأول بعدما اندثر حيث كان قد شيد في أواخر القرن الثاني أو في مطلع القرن الثالث الهجري.وكذلك مسجد المزارعة الذي يعتبر واحدًا من أهم مساجد نزوى التاريخية، ويقع بالقرب من مسجد الشواذنة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الرابع الهجري، ومحراب المسجد غاية في البساطة وخاليا من العناصر الزخرفية، أما جزؤه الأعلى، فداخل طبقة متوجة كتبت بداخلها كتابات قرآنية بخط النسخ.وغير المساجد التاريخية، تحفل حارة العقر ببيوت العلماء والفقهاء الذين عاشوا في اكنافها، وترعرعوا بين جدرانها، ولا تكاد تمر على زاوية إلا وتستذكر بعضا من تاريخ الحارة المرتبط بتاريخ المدينة، فالعلم هنا بزغ وارتفعت رايته شامخة، وحلق عاليا مباهيا بعلمائه وادبائه، وحينما كان العلماء يلتقون في احدى ساحات الحارة كانت صرائر الأقلام تدوي لتدون موسوعة علمية أو فقهية أو أدبية، وكانت بيوت العلم قلّ أن تغلق ليلا أو نهارا، وفي يد فقيه أو عالم مسألة علمية لم يجب عنها، أو كتاب موسوعي لم يتمه، أو مؤلف في أصول الفقه والعقيدة لم ير النور.كان حارة العقر شاهدة على لقاءات الأئمة والعلماء، يأخذون العلم عن بعضهم البعض، وكانت حاضنة لكل من يأتيها من فج قريب أو عميق، فهذا العلامة الإمام أبو الحواري محمد بن الحواري القري يرتحل من قرية تنوف الواقعة على السفح الجنوبي للجبل الأخضر، إلى نزوى؛ ليأخذ العلم عن أئمتها وعلمائها، أمثال محمد بن محبوب، وسعيد بن محرز، وأبو جابر محمد بن جعفر، ونبهان بن عثمان، وأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وبين هؤلاء من استقر سابقا في نزوى، بعدما هجر مسقط رأسه طلبا للعلم والمعرفة، كما هو الحال مع أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، الذي غادر مسكنه في بهلاء، واستقر في حارة العقر، حتى توفي إلى رحمة الله.. وقبره كما تشير المصادر التاريخية، موجود داخل منزله في حارة العقر، ولعله هو القبر الذي يقع قريبا من مسجد مزارعة، في الطريق المسماة، "سكة قبر".ومن سخريات القدر، أن ينسب قبر العلامة أبي المؤثر إلى قتيل "مجوسي" يقال إنه كان جاسوسا، يبتغي الشر لأهل عمان قاطبة، وأهل نزوى خاصة، فتم قتله ودفنه في المكان الذي أعدم فيه، وهذه الرواية تحمل من المغالطات الكثير، إذ كيف يتم دفن "مجوسي" داخل منزل في الحارة، يعود إلى عالم معروف، وكيف يتم دفنه غير مسلم قريبا من المسجد.. وهو للأسف ما غضت الطرف عنه الكثير من المصادر التاريخية، هذا بجانب السخرية الأخرى التي حولت اسم "صباح أبي المؤثر" الذي يحمل اسم هذا العالم الشهير، إلى "صباح موتر"، والفرق بين المعنيين شاسع.وغير قبر أبي المؤثر، فإن ثمة قبرا آخر لعالم وفقيه عاش في حارة العقر، ودفن فيها، وهو الشيخ الفقيه، أبو عبد الله، عثمان بن أبي عبد الله بن أحمد العزري، المعروف بالأصم، وهو من علماء النصف الأخير من القرن السادس والثلث الأول من القرن السابع الهجريين، ومن مؤلفاته كتاب "التاج" في الفقه، في خمسين جزءا، وهذا الكتاب مفقود ما عدا الأول والسادس والعشرين، بالاضافة إلى مؤلفات أخرى مثل كتاب النور في علم التوحيد وهو مختصر كتاب الضياء للعوتبي الصحاري، وكتاب البصيرة، في جزأين، وكتاب الأنوار في الأصول، وكتاب الإبانة في أصول الديانة، وكتاب العقود.ولعل كثيرين لا يعلمون مكان القبر، كونه متواريا خلف منازل الحارة، وفي حدود أحد بساتين النخيل، المعروف ببستان الجرمة، لكن يكفي توثيق شاهدة القبر، للتعريف بهذا العلامة وسيرته ومؤلفاته، تأكيدا على دور حارة العقر منذ القدم كجامعة للعلم والعلماء، ومهوى لأفئدة الفقهاء والأدباء.ومن المهم الإشارة إلى أن حارة العقر ليست مجرد منازل طينية، ودروبا تفضي إليها، ومرافق يحتاج إليها السكان، وإنما تاريخ مدون على كل شاهدة فيها، وتخطيط عمراني قائم على أساس كونها حارة متكاملة، تحتوي كل المرافق في إطار السور المحيط بها من جميع الجهات، هذا السور الذي يحمل اسمها، ويعتبر واحدا من أكثر وأعرق الأسوار في السلطنة حيث لا يزال صامدا في وجه المتغيرات.يعود تاريخ بناء سور العقر إلى أكثر من (1100) عام استنادا إلى أقوال بعض أهل العلم، وإلى الدلائل الظاهرة بحكم ارتباطه بحصن نزوى الذي يرجع تاريخ بنائه إلى فترة الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري.يبلغ طول سور العقر قرابة الكيلو مترين ويحيط السور بحارة العقر، ويعتبر الخط الدفاعي الأهم لساكني الحارة، ويحتوى السور على العديد من الأبراج المتصلة به يزيد عددها على (12) برجا بعضها اندثر، كما يحتوي على أربعة مداخل أو بوابات تعرف باسم (صباح) وهي صباح باب أبي المؤثر في الجهة الجنوبية وصباح الشجبي في الجهة الغربية وصباح السوق في الجهة الشمال شرقية، وصباح الصبخة في الجهة الشرقية، وكان يوجد على كل بوابة حارس يقوم بعملية تنظيم الدخول والخروج من وإلى الحارة حفاظا على الأمن.قراءة تاريخ حارة العقر، يأخذنا إلى استنطاق التاريخ المكتوب على كل حجرة في هذه الحارة، ويعود بنا إلى نشأتها الأولى، التي كانت قبل القرن الأول الهجري السابع الميلادي، حيث تعاقبت مراحل بناء الحارة وتطورها تبعا للعوامل السياسية والاقتصادية لكل فترة.ويعتبر القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي العصر الذهبي في تخطيط حارة العقر وتطورها المعماري، حيث دأب أئمة اليعاربة ـ كما تذكر المصادر ـ وبالأخص الإمام ناصر بن مرشد والإمام سلطان بن سيف بن مالك والإمام بلعرب بن سلطان والإمام سيف بن سلطان، على تكريس دور حارة العقر السياسي والديني والاقتصادي، وانعكست مقدرتهم الاقتصادية والسياسية في توجههم إلى إعادة تخطيط الحارة والنهوض بعمارتها باعتبارها جزءا من عاصمتهم السياسية والتجارية في آن واحد.كل هذا التاريخ المسكون في حارة العقر، قلّ من يلتفت إليه، ويدرك قيمته ومكانته، ويحرص على الحفاظ عليه، ونقله للأجيال المتعاقبة، أقول ذلك من منطلق أن الحفاظ على التراث هو مسؤولية الجميع، وإن اختلفت الأدوار.حارة العقر كما هي حارات كثيرة "تستصرخ" العابرين في دروبها، وتتحين عن فرص البقاء على قيد الحياة، قبل أن تنطمس وتؤول إلى النسيان، وتذكرهم بالذين كانوا هنا.. ثم رحلوا، رحلوا فأيةُ لوعةٍ من بعدهِم تطغى وأيةُ مهجةٍ لم تألم.