حين يجلس الولد هنا في هذا الوقت لا يلح ولا يتذمر. انقضى أسبوع منذ أن انقطع عن ارتياد مدرسة الصم والبكم بعد أن ازدادت عدوانيته وعصبيته اتجاه أقرانه. لا شيء يسلي عالمه الصامت ولا يفتح نوافذه المغلقة عن محيطه سوى برنامجه المفضل: توم وجيري. كل ليلة في الساعة التاسعة يزرع الولد جسده النحيل نحاسي السحنة في صالة البيت الضيقة ذات الإنارة الخافتة المائلة إلى الحمرة يلتصق بشاشة التلفاز مثل فنزوز أبكم على غصن نخلة. خلف الولد تبقت مساحة ضيقة من الصالة غير أنها تصلح أن تكون مسرح قتال يلاحق فيه توم جيري إلى اللأبد فهي مزدحمة بالأثاث القديم والتحف التي لا أهمية لها. لكنه الآن منتشٍ بما سيعرض أمامه بعد قليل من مشاهد ضاجة بالانفعالات والإثارة والحركة وهو لا يكترث مطلقًا بما يوجد خلفه.
من فرط حماسته، قلّد الولد حركة زئير الأسد ـ التي تظهر عادة في بداية العرض ـ مديرًا رأسه وقابضًا ملامح وجهه. وما إن خرج جيري من جحره مثل لص ماكر يسير بخفة توقف الولد عن رف رموش عينيه اللتين اتسعتا ترقبًا حين أشعل جيري عود ثقاب في ذيل توم الغارق في نومه وضاقتا ضحكًا حين قفز توم ملسوعًا ومتألما ليغمس ذيله في حوض سمكة صغير على الطاولة ثم يلتقط أنفاسه بينما يتقافز جيري من الضحك.
لا يسمع الولد صرخة الأم من غرفتها ولا هدير اندفاعها عبر الباب مثل قذيفة مدفع عيد لتستقر في منتصف الصالة. لا يشم العطر المختمر في ثوبها باللبان العماني والورد البلدي وخليط البهارات اللاذعة. لا يتراءى له ظلها الذي سيشبه رجل وطواط ضخم وكسول. لا يشعر. لا يود أن يشعر في الحقيقة ليس لأنه أصم فحسب بل هو لا يهمه ما يحدث خلفه. تبع الأب الأم مثل نيزك، ليسقط على غابة شعرها الخفيفة ثم يشدها نحوه فيما تتلوى هي محاولة الهرب. حاولت غرز أظافرها في زنده الصلب وهي تعض على أسنانها غضبًا. تمزّقَ قميصه الأبيض الداخلي. إذا سُئِل عنه فسيقول أن فأرة قذرة قرضته. أوثق قبضته حول رقبتها ولما تمكنت من تحرير يدها اليمنى انتزعت حلق أذنها الرخيص وغرزته تحت إبطه. صرخ الأب صرخة وحشية راميا بالأم عرض الحائط...
يجري توم خلف جيري يريد أن ينتقم. يختبئ جيري داخل اناء خزفي، يبحث توم بسذاجة تحت السجادة وداخل أرفف الدولاب ومرة في إصيص الشجرة. يقترب توم من الإناء بخبث، يقلبه رأسا على عقب في صحن ابيض وضعت بجانبه شوكة وسكين، يلعق شفتيه بلسانه مستلذًا، يهوي بالسكين على جسد جيري الذي تدحرج عن الصحن مثل كرة بولينج. تكسر الصحن وتطايرت شظاياه عاليا. يلتقط جيري شظيتين ويقذفهما في عيني توم ثم يركض بعيدا، يحاصر توم بعينيه الداميتين جيري على زاوية الجدار ويخرج مخالبه الحادة، يبدو جيري مرعوبا لكنه يقبل التحدي، ينفخ ابهامه بقوة، تنتفخ يده حتى تصير مثل قبضة ملاكم، يقفز، يسددها في وجه توم...
تقف الأم بجانب الحائط الكئيب متأهبة تبحث عن مهرب. لا مناص، غير أنها تمتلك أسلحة جيدة. اقترب الأب منها بحذرِ قِط، أزالت الجحلة الفخارية المعلقة وقذفتها نحوه لتصطدم بساقه وتنكسر. قذفها بدلة القهوة الباردة منذ الفجر، قذفته بالبراويز المرصعة بالفضة المزيفة، رماها بمجمر البخور، تناثر الرماد مثل سحابة وحيدة وضعيفة في عيني الولد الذي التفت إليهم للحظة ببرود وهو يمسح عينيه المشغولتين. لم يعرهما اهتمامًا طالما أنهما بعيدان. سددت الأم زجاجة ماء الورد نحو الأب، رفع ماكينة الخياطة ورماها لتنكسر، غضبت فتلك كانت كل ما تملك بعد (أو قبل؟) ابنها الأصم وسلاسل الذهب خفيفة الوزن، ركضت نحو جهاز المذياع الذي لا يستغني الأب عنه لتكسره انتقامًا. جرى نحوها مسرعًا، حاولت صده أن مدت يدها نحو رف الكتب المغبرة لتقذفه بشكل متتال بكتب اصطدمت كلها في صدره دون أن توقفه. شعرت الأم بضعفها الآن فيما الأب يقترب. أخيرًا بذلت جهدًا في رفع كتاب دليل الهاتف الثخين، رمته به وأحست بمطر بارد من الأمان أن شعبا كاملا بأسماء أفراده وعناوينهم يقف ضد تعنيفها تلك اللحظة؛ غير أن الأب تلقفه مثل حارس مرمى وأعاد قذفه نحوها ليفلج رأسها!
والولد ما يزال غارقا أمام التلفاز حيث ولأول مرة يشاهد جيري وهو يلتحم في شجار غير متكافئ مع توم عوضًا عن الهرب. تغيرت تعابير وجه جيري فعليا حتى صار مثل فأر شوارع متوحش. بدأت مشاعر غامضة تتدفق إلى قلب الولد وهو يشاهد العراك التاريخي بين القط والفأر و قد تجاهل صفعات الهواء المتلاحقة التي يسددانها أمه وأبوه على جسده أثناء شجارهما؛ فهو لا يكترث بما يحدث وراءه.
يسحق توم جيري تحت قدمه حتى يصير ورقة كُتِب عليها بالإنجليزية:(Never Give Up). لم يفهم الولد معناها لكنها ليست مشكلة كبيرة. يدهس الأب الأم بين ركبتيه ويطرق رأسها بالأرض عدة مرات. تنهش ساعده بأسنانها الحادة. يستعيد جيري شكل جسده من جديد ويدور مشكلا من دورانه زوبعة ثم يخترق أذني توم مثل رصاصة. يتدحرج الأب والأم على الارض حتى يصيرا على بعد ذراع من ظهر الولد الذي ما يزال غير آبه. يقع جيري في قبضة توم. تصارع الأم للفكاك من الأب، يستعد توم لالتهام جيري لقمة واحدة. ترفس الأم بقدميها، تخبط ظهر الولد الذي يلتفت غاضبًا هذه المرة ، الان فقط انتبه أن وجودهما في هذا المكان مزعج ولو كان بإمكانه قول شيء ربما لوصفهما بالبغيضين والتافهين. يحدق فيهما بملامحه الغاضبة والجافة المعتادة. يصيح بصوت يشبه صياح قرد، ترمقه الأم بعينين تستجديان المساعدة، يصد الولد نحو شاشة التلفاز وهو يلوح لهما بيده كما لو أنه يكش ذباب. يلتهم توم جيري، يمكن مشاهدة جيري الصغير وهو يصارع للخروج من بطن توم مثل جنين مشاغب...
تركل الأم الاب بين فخذيه، يتلوى ألما في مكانه، تتحرر منه. لم يتبق لدى الأم والأب في الساحة خلف الولد شيء يمكن استعماله للدفاع أو الهجوم. تحتمي الأم بالولد، تجعل من جسده حاجزا بينها وبين الأب. يقترب الأب، يدوران حول الولد مثل لعبة الكراسي. يبدأ الولد بإصدار أصوات تشبه النواح فيما يرتعش جسده غضبًا، فهو لا يود أن تفوته نهاية جيري، يتحرك من مكانه خارقا أصول اللعبة؛ فالكراسي لايجب أن تتحرك. بات من السهل الآن على الأب أن ينقض على الأم .
لكنها لن تسمح له. حملت التلفاز بين ذراعيها ورمته نحو الأب بكل ما أوتيت من قوة. تحطم. حدق الولد في أمه مفجوعا، وراقب حطام التلفاز محبطا وحزينا وقبل أن تذرف عيناه خرج توم وجيري حيّيْن ومتجسديْن بالحيوية والقتال ذاتهما ليعيدا العبث بأشياء صالة البيت المتناثرة بشكلٍ يشد انتباه الولد هذه المرة!

حمد المخيني