يا لحزن هذا الكرسي ووجعه وهو يتذكر الجالس عليه.يا لبكاء الخشب وهو يحنُّ حنين جذع رسول الله يوم تخلَّى عنه لمنبر جديد.يا لظلمة ووحشة المكان، والشيخ يترك مصحفه وزاويته وكرسيه وجلساءه وهاتفه ويغادر.حتى الكراسي تموت حين تشعر باليتم.وحتى المجالس تحتطب نفسها حين تغادرها العمائم.وحتى الحيطان تبرد حين لا تتدفأ بجمر الحكايات.كان الزمن يتحرك بجوار هذا الكرسي بشيخ يسطع في الهزيع الأخير من الليل فيؤذن الفجر، ويشم المحراب عطر عمامته فيقام للصلاة، وتتسامى حلقات تدارس القرآن فتفوح رياض الجنان.وكان يوم هذا الكرسي يبدأ بشمس تطل من نوافذ المجلس فتشرق على الوجوه التي تتوزع على الأرائك فتدور فناجين القهوة والحكايات.وكان النهار عامرا برنين هاتف لا ينقطع، وبفتاوى تعالج أمراض الدنيا، وتبصِّر بأمور الدين.وكان الليلُ زاهياً، ففي المجلس كوكبه الدُّرِّي الذي لا يحتكم لسنن الأفلاك في التشكل والجريان، من أهِلَّةٍ فبدور فأقمار .وكان وجه الشيخ يشرق بدرا مع إغفاءة العيون كل مساء، ويبقى بدرا إلى انشقاق الفجر كل ليلة.وفجأة يتزلزل كل شيء، ويبرد كل ركن، وتظلم كل زاوية.أنظر إلى هذا الكرسي وعلى كسائه غرغرة الموت فيفجعني احتضار الخشب.وأتحسس الحيطان الباردة فيقتلني غياب الظهور التي تستند عليها لتتدفأ.ألف ألف ألف هامة انحنت لتصافح يد الجالس على هذا الكرسي الموجوع.وألف ألف ألف شَفَةٍ هوت لتقبِّل يدي الجالس على الكرسي وجبينه وعمامته.وألف ألف ألف قامة اقتربت من الكرسي لتتعطر بقول الجالس عليه.وحين أقلب في الذاكرة المصورة للمكان ، يقتلني الفارق بين كرسي يتشبث خشبه بالجالس عليه وهو يتلو القرآن، وبين كرسي يئن ويحن ويبكي الجالس الذي غادره ظهر الاول من يناير ٢٠١٧ ولن يعود ليجلس عليه من جديد .إلاَّ أن رَحِمَ عمان ولودٌ، فقد يخرج الله من الذرية المباركة للشيخ سعيد بن خلف الخروصي من يواسي يُتْم الكرسي.وقد تتشكل في الأصلاب الشامخة نفحة بطهر الشيخ ولها مؤهلات الجلوس على هذا الكرسي، ولها استحقاقات نفس صاحب الكرسي لترأس المجلس حيث تجلس.وحيث كان الشيخ يجلس.فيا وجع هذا الكرسي.ويا حرقته وأنينه وهو يتذكر. حمود بن سالم السيابي