تأكيدًا لدوره الحيوي في صناعة القرار السياسي، وانطلاقًا من الشعور بالمسؤولية تجاه مسيرة التنمية بشكل عام وبخاصة التنمية البشرية، ناقش مجلس الشورى أمس بيان معالي الشيخ عبدالله بن ناصر البكري وزير القوى العاملة خلال الجلسة الاعتيادية السادسة لدور الانعقاد السنوي الثاني (2016-2017م) من الفترة الثامنة للمجلس (2015 /2019م) حول وضع القوى العاملة الوطنية والوافدة وسوق العمل ومتطلباته، وما رافق سياسة التعمين، والحد من استقدام القوى العاملة الوافدة وخفض نسبتها إلى وضعها الطبيعي، من انحناءات وتراجع لافت لدرجة مخيفة تدق ناقوس الخطر كشفته الأرقام المتصاعدة التي جاءت في البيان منذ العام 2010م وحتى العام 2016م.
فمن المقطوع به أن تنظيم سوق العمل ضرورة وطنية لإنجاح سياسة التعمين، وتوفير المزيد من فرص العمل للعمانيين، وضمان استقرار هؤلاء في أعمالهم بمختلف مجالات القطاع الخاص، والقضاء على ظاهرة تكدس سوق العمل بأعداد وافدة من العاملين غير ذوي المهارات الاحترافية المتخصصة، وتسرب بعض هذه الأعداد بما يشكل مخاطر محتملة لعملها لدى غير كفلائها، فضلًا عن تحقيق التوازن المطلوب بين العرض والطلب بالنسبة لمهن ووظائف معينة يحتاجها السوق، مع إشباع حاجته باستمرار من مختلف المهن والحرف التي تعاني اختلالًا يعجز فيه العرض المتوافر عن تلبية الطلب المتزايد.
إن الأسباب المفضية إلى الوضع الراهن لسوق العمل، والارتفاع المخيف في أعداد الأيدي العاملة الوافدة مقابل الأيدي العاملة الوطنية في القطاع الخاص، وفي نسب هروب العمال الوافدين، هي أسباب تبدو قديمة وجديدة، عرج عليها البيان بشكل واضح وهي: انسحاب القوى العاملة الوطنية من أعمالها في القطاع الخاص، سواء بالاستقالة أو بترك العمل بهدف الحصول على وظيفة حكومية، وتفضيل الباحثين عن عمل الوظيفة الحكومية ودور المجتمع في ترسيخ هذا الفهم الخاطئ، والتركيبة الهيكلية للعرض من القوى العاملة الوطنية من حيث المستوى التعليمي أو مستوى المهارة المهنية، وغير انسجامه مع الاحتياجات الفعلية في سوق العمل بالقطاع الخاص للقوى العاملة، سواء من حيث الكم أو النوع، الأمر الذي جعل من الضروري السماح للمنشآت باستقدام قوى عاملة من مصادر خارجية لتلبية احتياجاتها، وتعدد السجلات التجارية وعدم تفرغ أصحابها لإدارتها، وهو ما أثر بصورة غير إيجابية على التنمية والسياسات الوطنية الموجهة لتنمية وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأدى في المقابل إلى شيوع ظاهرة التجارة المستترة للقوى العاملة الوافدة في سوق العمل المحلي، وكذلك تطبيقات الحد الأدنى للأجور ودورها في بلورة ظاهرة ارتفاع دوران العمل في صفوف القوى العاملة الوطنية، وارتفاع معدل ثبات التعيين الناجم عن الزيادة الحاصلة في عدد حالات الاستقالة من العمل وحالات الفصل أو إنهاء الخدمات للعامل من عمله.
ومما يلاحظ إزاء جملة الأسباب السابقة، أن الحديث حولها كثير جدًّا مقابل الخطوات الإجرائية اللازمة لمعالجة هذه الأسباب، وللأسف نجد أن هذا الحديث يتم تدوير إسطوانته منذ أكثر من عقد من عقود النهضة المباركة، وهو ما يعكس في أكثر من اتجاه، سواء من جهة الحكومة أو المواطن أو القطاع الخاص، حالة التراخي عن التحرك الواجب بداية نحو الحفاظ على الأبعاد القومية والأمنية والوطنية والثقافية والاجتماعية، ونحو تجنيب الاقتصاد الوطني كل ما قد يؤثر عليه، كالتحويلات المالية الخارجية التي تقدر بالمليارات من الريالات سنويًّا، وارتفاع نسب الباحثين عن عمل، يقابله ارتفاع في نسب الأيدي العاملة غير الماهرة والمنافسة للقوى العاملة الوطنية، ونسب الأيدي العاملة الهاربة التي تملأ بلاغات هروبها الصحف يوميًّا دون أن تكون هناك حلول عاجلة وسليمة، فضلًا عن أعداد المتسللين الذين يتم ضبطهم وترحيلهم، أو قد لا يتم ضبطهم.
لذلك، يبقى تنظيم سوق العمل ضرورة وطنية ومسؤولية كبرى تقع على عاتق الجميع دون استثناء، ويجب أن تشمل مجموعة من النواحي الإجرائية مثل تقنين استقدام اليد العاملة الوافدة وفق معايير مهنية تتفق باستمرار مع حاجة السوق، وتشديد العقوبات على أصحاب العمل المخالفين الذين يستخدمون عمالًا هاربين من كفلائهم الأصليين، وتوحيد جهود الجهات المعنية بالتفتيش وتنظيم عمل المفتشين لتجفيف منابع اليد العاملة الوافدة الهاربة. فهذا التنظيم له آثاره الإيجابية تشمل العمال الوافدين أنفسهم، حيث يترتب على هذا التنظيم ممارسة الوافد لعمل يتفق مع تأهيله العلمي والمهني بما يوفر الاستقرار له، ويضمن ألا يكون هؤلاء رافدًا أساسيًّا لظاهرة اليد العاملة الوافدة الهاربة، كما أنها تضمن أن يحقق صاحب العمل أعلى مردود من عماله الوافدين، من حيث الجودة والكمية المناسبة للإنتاج، وهذا يعد ترشيدًا للمصروفات الجارية لأي منشأة بحيث يفوق العائد حجم الاستثمارات المدفوعة بما يحقق هامش ربح معقول لأصحاب الأعمال.
من ناحية ثانية تنعكس إيجابيات سوق العمل على الأيدي العاملة الوطنية، فلا تخوض منافسة غير مقبولة مع نظيرتها الوافدة في مجالات عمل المواطن أولى بها لأسباب متعددة، وكل هذا يؤدي بالضرورة إلى استقرار سوق العمل، وتوازن العرض والطلب، وإفساح المجال في مجموعة كبيرة من المهن والحرف للأيدي العاملة الوطنية دون منافسة مع غيرها. أما ما يخص متطلبات سوق العمل من التخصصات الوظيفية والمهنية فالتحرك حياله يقع على عاتق الحكومة والقطاع الخاص معًا.