البحث في ميدان الخزف الفنيّ مغامرة، لأن هذا المجال الجميل شاق، ونتائجه ليست دائما متوقعة مقارنة بباقي الإختصاصات الفنيّة. ولعلّ هذا اللامتوقع عادة هو ما يفتح شهية الباحث للاكتشاف وخوض غمار المغامرة بكثير من الشغف والانتظار، وهذا عائد إلى طبيعة المادة الطينية التي أعتبرها بركانا لا نعرف ما ستؤول إليه حممه في كل مرة. يقدم من خلالها الخزاف على تجارب عسيرة بعيدا عن أي من السبل المأمونة.
لا يعتبر تشكيل مادة الطين أمرا هينا، رغم طواعيتها فهي منزلق خطير يجب المشي بحذر على أطرافه، كما البحث في الألوان أيضا من خلالها لأن تفاعلاته معها تتطلب معرفة علمية دقيقة بالمكونات والتقنيات ودرجات الإفخار. من هذا المنطلق لا نشهد تجارب كثيرة في الفن الخزف هنا وهناك كما الرسم وبقية الاختصاصات الأخرى لأنه إختصاص دقيق ولا يستهوي في نظري الدخلاء بل الدؤوبين والمثابرين.
أمل خماخم باحثة جامعية تونسية شابة اختارت التعمق في فن الخزف والبحث والتجريب ليخرج للنور هذه الأيام معرضها الأول "روابط" connections. انطلقت من خلاله الفنانة من مكتسباتها وبحوثها العلمية في هذا المجال لتعبر من خلالها إلى الضفة الأخرى إلى عالم التشكيل والجمال. لتمزج من خلاله مبادئ وقواعد الخزف بذلك الكم الهائل من الخيال والجموح اللذين يسكنان فكرها الطازج. ليتجاوز الأثر الخزفي واقع أنه معطى حسّي فقط إلى كونه شكلا أجوف ولوحا جداريا وتنصيبة تتنوع من خلالهم الأبعاد والدلالات، تنوّعات تحتمل كل إرهاصات المخيلة وانتشاءها ليصبح واقعا ماثلا وإمكانا محضا يسمح للمتلقي ـ وهو بصدده وبين تعرجاته ـ تجاوز مرحلة الاستمتاع بشيء جميل، إلى مرحلة الاستغراب والتساؤل، ويدعوه ربما لتجربة اللّمس المادي والفكري، يدعوه للتحسّس ويحرك فيه ذلك الركود الذي راكمته مشاهدة المتشابه والمألوف الفني.
تنوعت أعمال المعرض بشكل متآلف، تنوّع مترابط، 16 عملا خزفيا تراوحت ما بين 11 لوحا خزفيا متفاوتة الأحجام، 4 أعمال ثلاثية الأبعاد، كما تنصيبة مستقلة بذاتها. اعتمدت من خلالهم الفنانة على تقنيات متنوعة كالتالي façonnage/coulage/tournage .
كما طال هذا التنويع أيضا تقنيات المينا كالتالي: مشقوق، البريق المعدني والقاعدة الشفافة .craquelé/ lustre métallique/base transparente
هذا التنوّع في تقنيات التشكيل والمينا لازمه تنوّع في درجات الإفخار التي بلغت c°940 بالنسبة لتقنية الراكو raku في حين تراوحت درجات إفخار الطين ما بين °c980 و°c1030.
جاءت أعمال المعرض كما سبق وذكرت متراوحة بين الجداري والثلاثي الأبعاد والتنصيبة، على شكل أشكال هندسية بسيطة ومركبة ومحرّفة، مع التزام جزئي بالتكرار الذي تختلف أوضاعه وصوره باختلاف التراكيب والأشكال. أشكال مخروطية وكروية وأخرى بيضاوية محّرفة، مربعات وأنصاف دوائر، حبال طينية وفتحات .. كل هذه الأشكال الهندسية تصوغها الفنانة بكثير من اللعب. لعب بالشكل واللون هذا الأخير الذي يأتي مراوحا ما بين أبيض وبرتقالي محمّر حينا وأحيانا أخرى تجليات عميقة لتلك الرماديات بتدرجاتها المختلفة التي تتخلل البياضات وتتفاعل مع أحشائها، وتخرج لنا من العمق بإفرازات مختلفة من قطعة إلى أخرى. كما يحضر الأصفر بحذر شديد ليحرك ذلك الاطمئنان الذي يبدأ بالتسلل إلى أعماقنا ويجعلنا في حالة تأهب قصوى.
تحاورنا هذه المخلوقات الخزفية بلغة كوكب آخر، وتثير فينا الشعور بالغرابة والذي يشهد ذروته عندما لا تثيرنا الأعمال كل على حده فقط، بل ربما يشّدنا أكثر ذلك الترابط والتماسك بين الأعمال بحيث يسحبنا بقوّة جاذبة إلى تتبع مسارات الخطاب الجمالي من أثر لآخر دون الإمساك ولو بطرف خيط. هذا الرابط الفكري والتقني والجمالي لمجموعة أعمال المعرض يجعلني كمتلقٍ أدخل في الكيان الباطني له.
بمعنى محاولة التطرق ومعرفة الهيكل الكلي الذي هو قوام الشكل الخارجي للأثر والذي سأسميه هنا بالخلية الأم التي توالدت عنها مجموعة الأعمال.
فالتجسيمات المفردة والتي تأتي عادة على شكل دائرة بيضاء تارة مكتملة وطورا محرفّة، تخرج منها تلك الحبال البرتقالية المتموجة والمتعرجة على شكل أرجل حينا وقرون استشعار حينا آخر تنتهي بدورها بدائرة صغيرة بنفس اللون يقع تقريبا استعارتها في أغلب الأعمال لكن بدرجات وطرق مختلفة، كمثال تحليلي استعارت الفنانة تركيباتها وتكويناتها منه. لتنتهي إلى النظام الكي الذي بني على أساسه المعرض، وهذا يظهر جليا من خلال تلك المفردات المتكررة هنا وهناك بين الأعمال بطريقة تحيلنا إلى صيغ ترابط وفق منطق الفنانة البنائي السرّي كالنظم والاستتباع والتضمين. ثم من خلاله إلى صيغ النظر والتي تختلف ما بين الوقوف أمام جدارية أو تنصيبة أو أثر ثلاثي الأبعاد. حيث تمرّ بنا الصيغ الأولى (البنائية) إلى الصيغ التالية (التلقي) باختلاف الصلات التي تشدّ مفردات الأعمال الجمالية بعضها إلى بعض. وهذا ما يساعدنا إلى النفاذ إلى تلك العلاقات الجمالية الخفيّة التي تهيكل بناء العمل من الداخل تحت الظاهر المادي الماثل أمامنا وتجعله في تواصل مستمر مع غيره من الآثار الأخرى.
أبدت حسب رأي الفنانة أمل خماخم في كل ذلك معرفة صحيحة بأصول البناء الشكلي والهيكلي (الجمالي/العلمي)، وقدرة فائقة على التصرّف في المفردة التشكيلية وفق ما تقتضيه طبيعة العمل.
من خلال هذا المعرض تستمد الفنانة منهج بنائها الجمالي من بؤرة واحدة (الخلية) فتتفرع عنه خلايا جمالية متعددة وهذا يدل على أن الأثر الفني لديها هيكل، تخضع له وتعمل وتبحث من خلاله، فالهوة عميقة بين الجداري في تعقّده الكليّ وبين التركيبي في أبسط تجليه، وبين التنصيبة في أعمق علاقاتها.
هذه التجليات المختلفة ما بين أثر خزفي وآخر هي تربط أكثر مما تفرق لأن هذا الاختلاف يهدف إلى إنتاج نص جديد في كل مرة، تتعرّى وتختلف فيه القوانين المتحكمة في البناء رغم وحدة الهيكل "فالهيكل نظير الأثر، ولكنه نظير موّجه لأنه يكشف عن شيء يبقى غامضا في الأثر نفسه" ونحن هنا لا نرجع جلّ قيم الأثر الفني إلى صياغته التشكيلية فقط بل أيضا إلى ذلك الكم المعرفي والموقف الفكري الذي اتخذته الفنانة من النمط الخزفي السائد شكلا ومضمونا. فأعمال الفنانة صياغة جمالية للمادة عبر خيالها المجنّح والذي سحبنا معه إلى عوالم الغرائبي حيث استغلت الفنانة أدواتها الفنية للنظر إلى الأثر الخزفي الفني من خلال التحوّل الجدلي بين العلمي والجمالي، التحوّل في أشكال صياغته من الحضور المعتاد والمستقل للأثر في فضاء العرض، إلى حضوره وعلاقته الجاذبة ببقية الآثار والتي تكتسح الوجود والفراغ، وكأنه لوهلة لا وجود للأثر في حد ذاته وإنما وجوده رهين العلاقات التي يدخل فيها مع غيره من الآثار الفنية الأخرى حيث يقول براك "أنا لا أقول بالأشياء، وإنما أقول بالعلاقات بين الأشياء". وهذا لا ينفي أهمية وقيمة كل أثر فني على حده فهو مكتمل ويضج بالتعابير التشكيلية الجمالية والدلالات الرمزية، ولكن اللافت في هذه المجموعة هو تلك الروابط الجينية التي انعكست على ملامح الأعمال والتي جاءت وكأنها تنصيبة كبيرة داخل فضاء العرض. تنصيبة تدعونا للتأرجح بين أرجاء تلك الحركية التي اتسمت بها القطع فكل عنصر فيها يقوم بالفعل تعرجات، دوران، امتداد ... بلاغة مطلقة لهذه القطع الخزفية التي قد تحيلنا إلى عدة أماكن ربما إلى مخلوقات من حيز المستقبل للتنبؤ؟ أو خلايا تتناسل من بعضها لتنمو؟ أو هي شجيرات لم يعرف بعد إن كانت بذورها تلك ضارة أم نافعة؟
رحلة أمل خماخم الخزفية شرود عن المألوف شرود يدعونا إلى التساؤل عن شبكة المؤثرات المتبادلة بين الأثر والمتلقي، فالأثر الخزفي في معرض روابط مهما تشعبت مسالك الفهم وتفرعت بين الأعمال لا تشد المتلقي بحكم ما في بنيته الفنية من أسرار التفوق التقني والشكلي الجمالي فحسب، فدلالاتها أيضا من القوّة ما يستفز الذهن ويأسره . والكلام على الدلالة هنا ليس للحسم حول دلالة واحدة وإنما لتجاوز اختزال الأثر الخزفي الفني في قيمته الجمالية أو التقنية فقط. فدلالاته المتنوعة تفتح المجال واسعا لتفيض القراءات والتي تستمر متجددة في كل مواجهة معه. فما تصوغه فنيا أمل خماخم من خلال أعمال روابط هو صياغة فكرية وعلمية وجمالية لبحوث وتجارب وتخيلات تمهد لها أفضل الأساليب، وحبذا لو تكمل الفنانة والباحثة الشابة في طريق الخزف الفني وتبحث في كل مرة عن تجليات جديدة من خلال خامة الطين لتطور تجربتها أكثر. لنستمتع نحن بفن الخزف الذي لم تطأه إلى الآن أرجل الدخلاء وأشباه الفنانين لصعوبة مسلكه.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية