ونعطف على ما أوردنا سابقا في الجزء الأول من هذا الموضوع أن الشاعر الستالي وإن كان قد كتب في ذكر الأوانس ومجالس اللهو والأنس إلا أنه يترك هذه الملذات لما اتصف به من التقى والكبر وجميل الصبر عليها. ويشير إلى ذلك في قوله:
وشاب سواد الرأس لون مشيبه فحرّم لذات البطالة والهزل
ولم يبق لي في العيش إلا تعلة أداري بها نفسي مداراةَ من مثلي
واسمح للقلب اللجوج بطاعة على فعل ما يهوى أعاصي بها عقلي
وقد كان يقف في بعض مقدمات قصائده على العهد القديم، يبكي عليه، ويذكر ديار المحبوبة، ومرابع الصبا، فيقول:
عللاني على اعتدال المشيب بحيث الصبى وذكر الحبيب
ان تكلفت غض طرف جموح كيف أسطيع كف قلب طروب
في غرامي تشوق في التمادي واعتصامي بصبري المغلوب
حبذا عهدنا وجد العواني والمفاني بين اللوى والكثيب
في المقابل نجد أن الستالي انتحى منحى آخر في مقدمات قصائده، وفيها سار على نهج المحدثين في القصيدة العربية. وفيما يتعلق ببناء القصيدة المباشرة والمقطوعات فقد اعتاد الشعراء الولوج مباشرة إلى موضوع القصيدة، فهي من أنماط البناء الفني حيث "يهجم {الشاعر} على مايريده مكافحة، ويتناوله مصافحة" (العمدة: 1/231).
إنَّ اختيار الشاعر للدخول المباشر إلى موضوعه ناتج من الانفعال النفسي المتصاعد؛ لأن هذا الانفعال لا يسمح له بالتأمل والتأني ليضع تمهيدا يفتتح به أثره الإبداعي، ولأنه يجد في الولوج لموضوعه ارضاء لنزعته الانفعالية وهو ازاء تجربته الآنية التي لا تحتمل التقديم لها، وقد حدد ابن رشيق القيرواني (الغرض) بأنه يتحكم في الاتجاه الفني لبناء القصيدة، فليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء. فنجد الستالي يبدأ في التحدث عن نفسه وكيف أنه هجر ملذات الدنيا، وحكّم عقله وتقاه رغم اضطرام قلبه بما يشوقه إلى مرابع الصبا، فيقول:
هجر الحسان وهن من آرابه وأراق لما راق كأس شرابه
وعفى الصبى ورأى النهى أزكى له وقلى الهوى ورأى التقى أولى به
ما زال بالقلب اللجوج يروضه حتى ارعوى وأفاق من أطلابه
كما أنه استهل قصائده أيضا بذكر الشيب وما ألمّ بلمته من تخضيب البياض له، فيقول:
ماذا ألمّ بلمتي فأشابها وخضبتها فنضا البياض خضابها
سرت الهموم الطارقات فغادرت بين الجوانح والحشى أوصابها
ثم ينتقل إلى ذكر الأحبة وفقدانهم قائلا:
ما زالت العبرات جامدة إلى أن مسها ألم الأسى فأذابها
قد ذقت فقدان الأحبة برهة وصرمت في أيدي الهوى أسبابها
ومن ذلك أيضا ما قاله في مطلع قصيدته التي يقول فيها:
أمن بعد جد الشيب أعبث بالهزل إذا أنا معدوم البصيرة والعقل
ومن لي من البيض الحسان بنظرة إليّ وفي رأسي قذى الأعين النجل
أعلل بالتخويف نفسا عليلة تملت ورود الغي علا على نهل
وفي قصيدة أخرى يقول:
خليليّ بعد الشيب هل يحسن الهزلُ وهل للغو أني عند ذي عدم وصل
ألم تر أن الحلم للشيب زينة ولهو التصابي بعد مر الصبا جهل
ويوضح أن المشيب هو من منعه من الملاهي والهوى، حيث يقول:
لولا المشيب لما استجبت لعاذل ما كنت للنصحاء قبل بقابل
وضللت في سبل الملاهي والهوى أجري بخيل للصبا ورواحل
أغدو سرورا للنديم المجتبى وأروح أنسا للحبيب الواصل
فجاء يسعى بها تحت الرواق لها ضوء يروق الحميّا وسط راووقِ
كما أننا نجده في قصائد أخرى يبدأ مباشرة بالمدح، من ذلك مطلع قصيدته التي يقول فيها:
لك الطائر الميمون بالسعد طائر وكوكبك السعدي بالسعد ظافر
وأنت سعيد الجد أكرم قادم بيوم حبته بالسعود المقادر
دنا لك بالاقبال قبل دلائل إلينا وجادت بالسعود البشائر
وله أيضا قصيدة في مدح يعرب، بدأ مطلعها بقوله:
لولا ندى يعرب فتى العرب لما حمدنا إصابة الأدب
أوسعنا بره فأمكننا حسن ثناء يبقى مدى الحقب
وقد يبدأ بذكر ما يتعلق بالممدوح، كما فعل في بدئه بوصف مجلس يعرب، قائلا:
يا مجلس الأنس واللذات والطرب لا زلت في العز مغمورا مدى الحقب
وأسعد الله بالإقبال سيدنا تاج المفاخر والعليا أبا العرب


ومن خلال ما ذكر سابقا نستطيع الخروج بمجموعة من السمات العامة التي اتسم بها شعر الستالي، حيث نجد أن مقدمات القصائد عند الستالي تنوعت بين مقدمات طللية يبث فيها حبه ولوعته، أو يتحدث فيها عن نفسه، أو يصف فيها شيبه، كما أن له مقدمات في وصف الخمر من باب مجاراة الشعراء القدامى في هذا الموضوع، كما أنه وصف الممدوح مباشرة، ووصف القهوة، وله قصيدتان في الرثاء، وقصيدة ابتهالية، إضافة إلى مطالع اختصت بالحكمة وذكر نوائب الدهر. وفيما يتعلق بالوصف، فإن الشاعر قد وصف الناقة والارتحال على ظهرها، وقد وصف الخيل أيضا معرجا على بعض صفاتها وخصوصا ما يرتبط بالمعارك والحروب. وقد جاءت الحكمة في شعره نابعة من تجربته الشخصية، واصطبغت هذه الحكمة بثقافته الدينية. كما ظهر الفخر في شعر الستالي بأشكال مختلفة، أبرزها: الفخر بنفسه، والفخر بمدائحه وشعره، وثالثة بتقواه وورعه.

وفاء الشامسية