اعداد ـ أم يوسف:قال تعالى:(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). هي السورة الثانية عشرة في ترتيب سور المصحف و نزلت بعد سورة (هود) و بدأت السورة بحروف مقطعة (الر) ذكر اسم نبي الله يوسف اكثر من 25 مرة. وهي إحدى السور المكية التي تناولت قصص الانبياء وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله (يوسف بن يعقوب) وما لاقاه من أنواع البلاء ومن ضروب المحن والشدائد من إخوته ومن الآخرين في بيت عزيز مصر وفي السجن وفي تآمر النسوة حتى نَجَّاهُ الله من ذلك الضيق والمقصود بها تسلية النبي بما مر عليه من الكرب والشدة وما لاقاه من أذى القريب والبعيد .. ومن أسباب نزول السورة (عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص في قوله عز وجل:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ القَصَصِ) قَالَ: أُنْزِلَ القرآن عَلى رسولِ الله فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت فأنزل الله تعالى:(الر تِلكَ آياتُ الكتابِ المبينِ) إلى قوله:(نَحْنُ نَقُصُّ عَليكَ أَحْسَنَ القَصَصِ) .. الآية فَتَلاهُ عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو حدثنا فأنزل الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) قال كل ذلك ليؤمنوا بالقرآن. وقال عون بن عبد الله ملَّ أصحاب رسول الله فقالوا: يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى الله:(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا) الآية قال: ثم أنَّهم مَلُّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله تعالى:(نَحنُ نَقُصُّ عَليكَ أَحْسَنَ القَصَصِ) فأرادوا الحديث فدَلَّهم على أحسن الحديث وأرادوا القصص فَدلَّهم على أحسن القصص. الثالثة: استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة .. وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب ـ عليه السلام ـ استدل على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة ولا خلاف بالحكم بها، قاله بن العربي.ثلاث مسائل(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) فيه ثلاث مسائل، الأولى: روي أن يعقوب لما قالوا له: (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قال لهم: ألم يترك الذئب له عضواً فتأتوني به أستأنس به؟! ألم يترك لي ثوباً أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلى! هذا قميصه ملطوخ بدمه، فذلك قوله تعالى:(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) فبكى يعقوب عند ذلك وقال لبنيه: أروني قميصه، فأروه فشمه وقبله، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقاً ولا تمزيقاً، فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه، أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه، وعلم أن الأمر ليس كما قالوا، وأن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم كالمغضب باكياً حزيناً وقال: يا معشر ولدي! دلوني على ولدي، فإن كان حياً رددته إلي، وإن كان ميتاً كفنته ودفنته، فقيل قالوا حينئذٍ: ألم تروا إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا؟! تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضواً عضواً، ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه، فقال يهوذا: والله لئن فعلتم لأكونن لكم عدواً ما بقيت، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم قالوا: فإذا منعتا من هذا فتعالوا نصطد له ذئباً، قال: فاصطادوا ذئباً ولطخوه بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا: يا أبانا! إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه، وهذا دمه عليه، فقال يعقوب: اطلقوه .. فأطلقوه، وتبصبص له الذئب، فأقبل يدنو منه ويعقوب يقول له: ادن ادن، حتى ألصق خده بخده فقال له يعقوب: أيها الذئب! لم فجعتني بولدي وأورثتني حزنا طويلاً؟! ثم قال: اللهم أنطقه، فأنطقه الله تعالى فقال: والذي اصطفاك نبياً ما أكلت لحمه، ولا مزقت جلده، ولا نتفت شعرة من شعراته، والله! ما لي بولدك عهد، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فُقد، فلا أدري أحي هو أم ميت، فاصطادني أولادك وأوثقوني، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع الوحوش، وتالله لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش، فأطلقه يعقوب وقال: والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم، هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذمام أخيه، وأنتم ضيعتم أخاكم، وقد علمت أن الذئب برئ مما جئتم به، (بَلْ سَوَّلَتْ) أي: زينت لكم، (أَنْفُسُكُمْ أَمْراً): غير ما تصفون وتذكرون.قوله تعالى:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وهي: الثالثة: قال الزجاج: أي فشأني والذي اعتقده صبر جميل، وقال قطرب: أي فصبري صبر جميل. وقيل: أي فصبر جميل أولى بي، فهو مبتدأ وخبره محذوف. ويروى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل عن الصبر الجميل فقال:(هو الذي لا شكوى معه). وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة ـ إن شاء الله. قال أبو حاتم: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف (فصبراً جميلاً) قال: وكذا قرأ الأشهب العقيلي، قال: وكذا في مصحف أنس وأبي صالح. قال المبرد:(فصبر جميل) بالرفع أولى من النصب، لأن المعنى: قال: رب عندي صبر جميل، قال: وإنما النصب على المصدر، أي: فلأصبرن صبراً جميلاً.شكا إلي جملي طول السرى صبراً جميلاً فكلانا مبتلىوالصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى، وقيل: المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم، وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه، فكان يرفعهما بخرقة، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب؟! قال: يا رب! خطيئة أخطأتها فاغفر لي. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ) ابتداء وخبر. (عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي: على احتمال ما تصفون من الكذب .. والله أعلم... يتبع بمشيئة الله.