[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/tarekashkar.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]طارق أشقر [/author]كثر الحديث على مر العصور على ماتواجهه لغة الضاد العربية من تحديات وهي قضايا قتلت بحثاً وعزفاً على خطورتها على بنائها ومفرداتها ، غير أنها تحديات لم تصل إلى مرحلة التهديد بانقراضها ، كونها محور ثقافة أمة عريقة غير محصورة في بؤرة جغرافية محدودة ، بل أفرادها وجماعاتها منتشرة في كافة بقاع وأصقاع الكرة الأرضية رغبةً أو رهبة ، فضلا عن أنها وسيلة تواصلها الفكري والقيمي ، والناقل الأساسي للتعاليم الدينية بين أجيالها المتعاقبة.ومع احتفال دول العالم باليوم العالمي للغة العربية الذي صادف الأحد الماضي الثامن عشر من ديسمبر الجاري ، يتجدد الحديث مرة أخرى عن تحديات لغة الضاد ، وما إن كانت مازالت تواجه نفس تحدياتها، ومدى إمكانية تجاوزها؟. وفيما ذهب الكثير من الباحثين في هذا المجال إلى تصنيف تحديات لغة الضاد إلى داخلية تتعلق بالمجتمعات العربية نفسها وماطرأ عليها من اتجاهات ثقافية جديدة ، وخارجية تمثلت في العولمة دون الاتكاء على نظرية المؤامرة التي أصبحت عنصراً إعلاميا مستهلكاً ، تظل اللغة العربية رهينة الواقع الثقافي لأبنائها وأن تحدياتها تكمن في صميم قناعات أبنائها دون غيرهم . ومايؤكد ذلك هو نجاح تجارب كثير من الأمم والشعوب المتمسكة بلغاتها القومية كالأمة الصينية إن جاز التعبير ، والتي أكدت بحسابات الأرقام بأنها ضمن الأفضل والأسرع نمواً ، في حين اشتهر رجل الشارع الصيني باعتزازه بلغته ، وكثيرا لايعير من لايعرف لغته اهتماما ، في حين أن تبادله التقني والعلمي مع العالم الخارجي لم ينقطع خصوصا في مجال نقل التكنولوجيا وتبادلها مع الآخرين منتجين ومستهلكين . ولكن أن المؤسف حقاً ، نجد في كثير من مجتمعاتنا العربية تتصاعد دعوات من بعض مثقفيها بزعم أن نقل التكنولوجيا ، والتواصل مع دول التطور الصناعي ، يتطلب إيلاء الأولوية القصوى في تعليم اللغات على ما يسمى باللغات الحية كاللغة الانجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات الشعوب التي قادت مسار التطور التكنولوجي على مستوى العالم. وبالتدليل بالتجربة الصينية واليابانية على سبيل المثال لا الحصر ، يتضح بأن تلك الدعوات الخاصة بترحيل اللغة العربية إلى الصف الثاني في سلم الاهتمام بتعليم وتعلم اللغات، هي تمثل التحدي الحقيقي الذي مازالت تواجهه لغة الضاد ، خصوصا وأن التمسك باللغة العربية كلغة قومية تعبر عن خصوصية هوية من يتحدثها ، كان بإمكانه أي نفس التمسك أن يقود العربية إلى أن تصبح لغة عالمية أكثر مما هي عليه، ولكن فقط في حال أن تخرج من قوقعتها التي حبسها فيها أهلها ، حيث حصروها في منابر المساجد ، وفي كليات التخصص في علوم اللغة وأصول الفقه ، بينما كان بالإمكان نقلها بالتزامن مع ذلك إلى المصانع والمعامل ومراكز الاختراع ، لتصبح بذلك اللغة التي تفسر وتبين مركبات ومكونات المنتجات التي بالضرورة تصديرها إلى عوالم أخرى خارج حدود الدول العربية ، جنبا إلى جنب نقلها للقيم والأخلاق الرفيعة الجديرة بالاعتزاز بها. ولو كان حدث ذلك لتمكنت اللغة العربية من مواجهة تحدياتها بوتيرة أسرع مما هي عليه الآن ، وذلك لأن الحاجة الماسة لاستخدام المنتجات والابتكارات الموصوفة مفرداتها ومكوناتها باللغة العربية ستفرض حتما على الراغب في استخدام تلك المنتجات ترجمة المفردات المكتوبة بها والتي نفترض او نتعشم أن تكون عربية ... وهي نفس الفكرة أو المفهوم الذي كما يبدو قامت عليه ثقافة الانتشار الصينية . وبين هذا وذاك تظل تحديات نقل القيم وأساليب التربية عبر اللهجات المحلية بين الأسر والجماعات بمختلف ثقافاتها المتباينة في كافة دول العالم العربي ، تعتبر هي أيضا أحد أهم ماتواجهه اللغة العربية من تحديات سببها أهلها . وعلى أية حال وبالمجمل مازال وضع اللغة العربية مطمناً ، طالما أنها لغة الذكر الحكيم الذي له حافظه العلي العظيم ، في حين أن التطلع إلى السيادة العالمية لهذه اللغة الغنية بمفردات البيان ، والقادرة على مخاطبة المشاعر الإنسانية بما يحقق سمو تلك المشاعر بقدر أفضل من غيرها من اللغات ، والأفصح في إزالة كل ماشاك والتبس من فهم في تفسير النصوص خصوصا القانونية منها ، يجعلها اللغة الأكثر حظاً في أن تسود ، ولكن بشريطة أن يعي أهلها بكيفية تسويقها ، وليبدأوا ذلك بتنشئة أبنائهم منذ الصغر على النطق والتمسك بها ، ثم توسيع مواعينها ونقلها إلى المصانع والمتاجر ومعامل الابتكار الطبي والصناعي.