[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedbinsaidalftisy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد بن سعيد الفطيسي[/author]
”يعد مضيق هرمز نقطة ارتكاز وعبور لمصالح الكثير من القوى الإقليمية والدولية, وتختلف اهمية المضيق بحسب النظرة الجيوسياسية والجيواستراتيجية إليه من قبل تلك الدول. حيث يعد الحد الشرقي للوطن العربي والمجال الحيوي للاستيراد والتصدير والمنفذ الوحيد للخليج العربي, وهو بالنسبة لإيران يمثل حدودها الجنوبية وخاصرتها الأمنية والاقتصادية. ”
ــــــــــــــــــــــــ
ايها المواطنون. (لا شك انكم سمعتم الكثير عما قيل بشأن اهمية مضيق هرمز الذي هو جزء من مياهنا الإقليمية ...... لذلك فإن عمان تعهدت بالدفاع عن حق جميع السفن المسالمة بالمرور عبر هذا المضيق وهذا واجب علينا وفقا للقانون الدولي .... فإذا تعرض المضيق للخطر فإننا في عمان لن نتردد في الدفاع عن سيادتنا الوطنية وسلامة الملاحة الدولية )– خطاب جلالة السلطان بمناسبة العيد الوطني التاسع بتاريخ 18 / 11 / 1979م
يعد مضيق هرمز نقطة ارتكاز وعبور لمصالح الكثير من القوى الإقليمية والدولية, وتختلف اهمية المضيق بحسب النظرة الجيوسياسية والجيواستراتيجية إليه من قبل تلك الدول. حيث يعد ( الحد الشرقي للوطن العربي والمجال الحيوي للاستيراد والتصدير والمنفذ الوحيد للخليج العربي, وهو بالنسبة لإيران يمثل حدودها الجنوبية وخاصرتها الأمنية والاقتصادية. كما يراه الاتحاد السوفيتي السابق- روسيا اليوم - المجال الأمني لحدوده الجنوبية وحلقة وصل للدول المطلة على الخليج العربي, اما بالنسبة للدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وأوربا الغربية واليابان فللمضيق اهمية اقتصادية عظمى لكونه اكبر منطقة منتجة ومخزنة للطاقة) ويقع المضيق بين ايران من الشمال الشرقي وسلطنة عمان من الجنوب. ويربط الخليج العربي ببحر عمان.
وبالنسبة لسلطنة عمان فإن مضيق هرمز يعد جزءا لا يتجزأ من امنها القومي وامتدادا لسيادتها الوطنية, حيث يعد من الناحية الاستراتيجية والأمنية (مضيقا عمانيا يستخدم للملاحة الدولية وينطبق عليه حق المرور العابر وحق المرور البريء الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في المادة 36 لعام 1982م , وباستثناء حق المرور العابر فإن المضيق يخضع كليًّا لما تخضع له باقي المجالات البحرية العمانية نظرا لوقوع الممرات البحرية في المياه الإقليمية العمانية بحيث تمارس السلطنة عليه سيادتها على المجالات البحرية العائدة لها والقاع وما تحت القاع وعلى الحيز الجوي الواقع فوق هذه المجالات, غير ان ممارسة هذه السيادة يجب ان لا تمس بحقوق الدول الأجنبية في المرور العابر) وفي هذا السياق وقعت سلطنة عمان وايران بلاغا مشتركا في مارس 1974 للتعاون المشترك من اجل الاستقرار وسلامة الملاحة عرف باسم الدوريات المشتركة , كما وقعت في نفس العام اتفاقيات تحديد الجرف القاري.
لذا كانت وجهة النظر السلطانية واضحة وصريحة منذ بداية قيام الدولة العمانية الحديثة في 23 يوليو من العام 1970م تجاه امن وسلامة واستقرار منطقة الخليج العربي ككل ومضيق هرمز بوجه خاص, وذلك انطلاقا من نظرة شاملة للأمن القومي العربي الاستراتيجي من جهة ونظرة متوازنة بين الحقوق السيادية العمانية والمصالح الإقليمية والدولية من جهة اخرى, وهو ما اكده جلالته في العديد من الخطابات السلطانية واللقاءات الاعلامية والصحفية.
ويعد اللقاء الصحفي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع مجلة المجالس الكويتية في العام 1973م اللقاء الأبرز والأهم وهو الأول من نوعه الذي تطرق فيه جلالته صراحة إلى هذه المسألة الغاية في الأهمية الاستراتيجية من الناحيتين السياسية والأمنية الوطنية والإقليمية والدولية, ويعد هذا الخطاب مرتكزا من مرتكزات العقيدة الأمنية لسلطنة عمان تجاه هذا المضيق, فقد اجاب جلالته – حفظه الله – حول سؤال وجه إليه بخصوص وجود اتفاق عماني – ايراني لتفتيش السفن التي تمر عبر مضيق هرمز في وقتها او انه اصبح لإيران وجود في المضيق , أجاب قائلا : (نحن نعتبر ان مضيق هرمز ممر مائي دولي, ولا نقبل بأي وجود اجنبي فيه).
واذا كانت هذه النظرة السلطانية لأهمية هذه القضية, اي قضية الأمن والاستقرار في منطقة " الخليج العربي ومضيق هرمز " قد انطلقت مع بواكير النهضة المباركة والفكر السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – فذلك لدلالة الأهمية الاستراتيجية والسيادية الوطنية لهذا الجزء من العالم الجيوسياسي. وقد كان للصراع الايراني العراقي في العام 1980م الدور البالغ والمحفز الأكبر لرفع الوعي الوطني الحاضر اصلا من جهة , والوعي الإقليمي والدولي من جهة اخرى تجاه اهمية وحساسية هذا المضيق, وكذلك الانعكاسات الخطيرة لأي حالة غير مستقرة في محيطه, والتي يمكن ان تؤدي إلى اغلاقه أو إلى تضييق او تحرك غير سلمي فيه, وهو ما لم يستبعده جلالته ابدا رغم صعوبة ذلك.
وقد اكد جلالته هذه الرؤية في عام 1982م من خلال نظرة استشرافية لاحتمالات غير مستبعدة في ظل المتغيرات المتسارعة والتحولات الخطيرة التي تعصف برقعة الشطرنج الشرق اوسطية, وذلك بقوله حينها (لا اعتقد ان المضيق يمكن ان يغلق بسهولة, ولكن في المقابل ليس من المستحيل على اي كان ان يجعل هذا المضيق عرضة للخطر, وابسط شيء مثلا القيام بزرع الغام في المضيق, أو حتى مجرد اشاعة من هذا القبيل ستؤدي إلى تعطيل مرور السفن. لا اعتقد ان الأمر سيكون بهذه السهولة, ولكن لا بد من حساب كل الاحتمالات) على ضوء ذلك اعتبرت عمان نفسها بوابة لأمن واستقرار الجزيرة العربية وهي كذلك فعلا, وتحملت نتيجة ذلك الإيمان بهذا البعد الاستراتيجي العربي العديد من التحديات التي لا تخفى على كل منصف لنفسه قبل ان يكون منصف لعمان الأرض والشعب والقيادة.
وهو ما اشار إليه جلالة السلطان بقوله (لذا فإنه اذا ادت حالة عدم الاستقرار الراهنة في الشرق الأوسط - ارهاصات ومقدمات عدم الاستقرار التي سادت المنطقة قبل الحرب العراقية الايرانية بشهور – إلى عرقلة أو وقف امدادات النفط عبر هذا المضيق فإن النتائج التي قد تنجم عن ذلك ستكون خطيرة .... ونحن نرى ان جميع الدول التي تستفيد من الملاحة في هذا المضيق سواء اكانت الدول المنتجة او المستهلكة للنفط تقع عليها مسؤولية المساهمة في حماية هذا الممر المائي الحيوي ضد خطر الأعمال الإرهابية او اي شكل آخر من العدوان), كما اكد هذا البعد المقلق في لقاء صحفي له مع مجلة المستقبل الصادرة في فرنسا في العام 1981م بقوله (اننا بوابة الجزيرة العربية وطريق النفط وتستطيع اية طائرة في القرن الافريقي أو في كابول أو في طشقند ان تطير إلى مسافة 450 ميلا بحمولة من الألغام البحرية في مضيق هرمز فيقفل المضيق ويختنق شريان الغرب الاقتصادي), فكيف بواقع متطور في ابعاده العسكرية والتكنولوجية !؟
لذا برز المشروع العماني في وقتها- في العام 1979م- والذي اطلق عليه بالمشروع التقني العماني. الذي يقترح الحصول على كاسحات الغام وقوارب خفر ساحلية وطائرات استطلاع ومعدات اكتشاف الكترونية. واقترحت السلطنة هذا المشروع الذي لم تكن تستفيد منه بشكل مباشر, اضافة إلى تحملها عبء الحماية والصيانة, بأن يتم تمويله من قبل دول الخليج العربية والدول الغربية بوصفها اطرافا ذات مصلحة الا ان المشروع لم يكتب له النجاح بسبب معارضة بعض الدول الخليجية بحجة انه يمهد للتدخل الأجنبي في المنطقة, او بأنه يهدف إلى (اقامة حلف اقليمي تسيطر عليه القوى الأجنبية, ومرة اخرى اوضحت السلطنة ان هذا تفسير خاطئ).
وهو ما جاء على لسان حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله- مرارا وتكرارا وفي اكثر من محفل ولقاء اثناء المقترح وبعده, وقد اكده جلالته وجهة النظر العمانية حول هذا الموضوع في خطاب العيد الوطني التاسع في العام 1979م وذلك في سياق حديثه عن مضيق هرمز . قائلا: ( ان عمان لا تطالب بتدخل القوات الاجنبية, فباستطاعة السلطنة القيام بالإجراءات اللازمة شريطة ان تتوفر لها الوسائل الضرورية لذلك), لذا اعلنت السلطنة عن استعدادها للتخلي عن اشراك الدول الاجنبية في التمويل اذا ما تعهدت دول المنطقة بتغطية تكاليفه, و (بالرغم من ذلك فإنها لم تتلق ردا على طلبها, اذ كانت المنطقة قد شغلت باجتياح الاتحاد السوفيتي السابق لأفغانستان وبقيام الثورة في ايران).
بعدها وفي العام 1985م عاد جلالته ليؤكد بالرغم من كل الظروف والاختلافات في وجهة النظر الخليجية والعربية تجاه امن مضيق هرمز, بان امن المضيق سيبقى مسؤولية جماعية, وان عمان لن تكون طرفا متطرفا في رأيها أو رؤيتها تجاه ذلك ابدا, ولذلك كما قال جلالته – رعاه الله – ردا على سؤال الصحفي المصري ابراهيم نافع – صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 21 / 1 / 1985م , ما هو تقدير جلالتكم لمدى الخطر الذي يهدد مضيق هرمز الآن وخاصة بعد اشتعال حرب الناقلات بين ايران والعراق, وما هو موقف عمان في حالة اغلاق المضيق , فكان رد جلالته : ( في هذه الحالة فإننا ينبغي من خلال مجلس التعاون الخليجي ان نجتمع ونبحث كيف يمكن مواجهة هذا الموقف , لذلك فإنه لن يكون لعمان موقف فردي ازاء هذه الحالة, وانما لا بد ان يكون هناك موقف جماعي).
وننهي هذا الطرح برؤية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم تجاه المسؤولية الوطنية العمانية سواء السيادية منها أو الأمنية الإقليمية أو الدولية على مضيق هرمز قائلا – حفظه الله – (بحكم موقع المضيق ومرور السفن من وإلى المنطقة والعالم في مياهنا الاقليمية. كانت علينا مسؤولية كبرى تجاه سلامة هذا الممر, ونحن بقدر امكانياتنا, نراقب مراقبة دقيقة دخول السفن وخروجها في المضيق, وبحريتنا متواجدة هناك بشكل دائم).
هذا الطرح يؤكد ان سلطنة عمان لا تحتاج إلى اعادة كتابة التاريخ من جديد. أو تكرار وجهة النظر العمانية الرسمية تجاه كل ما يتعلق بمضيق هرمز, فقد اكدها المقام السامي صراحة منذ العام 1973م , وما زالت هي الثابت حتى يومنا هذا, وهي عقيدتنا الأمنية التي تسير عليها سياساتنا الداخلية والخارجية تجاه أمن وسلامة مضيق هرمز.

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية [email protected] MSHD999