الحائز على جائزة كتارا للرواية العربية 2015 حاوره ـ وحيد تاجا:أكد الشاعر والروائي جلال برجس انه لم ينتقل من الشعر الذي ما زال يكتبه، إلى الرواية بتلك القصدية التي شاعت هذه الأيام، بل أخذته الرواية إليها حاملاً معه شعرية المعاينة والالتقاط.وقال في حوار شيق مع " أشرعة": أعاين الواقع روائياً، ولكن عبر زاوية الخارج عليه بجملة من الأسئلة، وعبر عدسة خيال لا تتجاوز غرابتُه الواقع، الذي هو أكثر غرابة من الخيال، خاصة هذه الأيام.وعن روايته الفائزة بجائزة كتارا لعام 2015 قال: " في (أفاعي النار)، ذهب الشخوص في صراعهم مع ما يحدث على أرض الواقع من تحجيم لدور الإنسان وممارسة العنف عليه، وإعادة إنتاج قسوة جديدة للموت من خلاله، ذهبوا إلى الإنسانية ذاتها كمرجعية أولى.وحول المكان الذي يلعب دور البطولة في أغلب أعماله يقول: " المكان جهة حقيقية للذكريات ولتلك الطريق التي لن تستطيع المضي قدما دون أن تفهم أسرارها.يذكر أن جلال برجس شاعر وكاتب أردني، ولد في العام 1970 في محافظة مادبا الأردنية، درس وعمل في هندسة الطيران لعشرين عاماً، ثم انتقل للعمل في الصحافة الأردنية. ويشغل موقع أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين فرع مادبا.كتب الشعر والرواية والقصة والمقالة النقدية والأدبية ومن مؤلفاته: مقصلة الحالم (رواية)، الزلزال (قصة)، رذاذ على زجاج الذاكرة (أدب المكان)، شبابيك تحرس القدس (أدب المكان)، كأي غصن على شجر (ديوان شعري)، ديوان قمر بلا مَنازل (ديوان شعري).حصل برجس على عدة جوائز منها: جائزة كتارا للرواية العربية للعام 2015، عن فئة الرواية غير المنشورة عن رواية (أفاعي النار/حكاية العاشق علي بن محمود القصاد). جائزة الأديبة الراحلة رفقة دودين للإبداع السردي 2014، عن رواية "مقصلة الحالم"، وجائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع 2012، عن المجموعة القصصية " الزلزال".*ـ كيف كانت البدايات، ومن هم الكتّاب الذين تركوا أثراً فيك، وشكلوا مرجعيتك؟كانت البدايات من عالم القرية المراوح ما بين الوعي القروي، والحنين إلى البداوة، فأنا ابن عائلة استقرت بعد زمن من الحل والترحال، وبنت أول بيت في قريتي ( حنينا) التي ولدت فيها، وشهدتُ عوالم أوجدت جسارتي الأولى على الكتابة، إذ وجدتني أكتب بلوح الطبشور على جدار بيتنا الأول، أول كلمة تعلمتها (الماء). خمسة أشخاص كان لهم أثر كبير في تشكيل وعيي الأولي، جدي، وقد كان شاعراً نبطياً، وجدتي، الحكاءة بالفطرة، وأبي، الجندي الذي حينما كان يغيب طويلاً يعود يحمل لنا ما لا يعرفه أبناء القرى، وأمي، التي ربت روحي على إيقاع الحنين، وعمي عزيز الذي منحني الكتاب الأول. قرأت وما زلت أقرأ، لكني بعد زمن أيقنت أن ثمة كتّابا بقيت أصواتهم تلاحقني لزمن في لحظة الكتابة، نجيب محفوظ، غالب هلسا، تيسير سبول، حنا مينه، فيكتور هوجو، آرنست همنجواي، مكسيم غوركي، دوستويفسكي، تشارلز ديكنز، يوكيو ميشيما، وآخرون. لكن الصوت الأعلى كان لغالب هلسا.* ما الذي كنت تبحث عنه في انتقالك من الشعر إلى الرواية. وهل حققت الرواية لك ما لم يحققه الشعر؟لم أنتقل من الشعر الذي ما زلت أكتبه، إلى الرواية بتلك القصدية التي شاعت هذه الأيام، بل أخذتني الرواية إليها حاملاً معي شعرية المعاينة والالتقاط، لأكتشف بعد كتابة روايتي الأولى " مقصلة الحالم" أن الشعر معاينة للعالم عبر الذات، أما الرواية فهي معاينة للذات عبر العالم. في الكتابة لا أبحث إلا عني، ربما تبدو هذه العبارة غير مقنعة لكنها هي الحقيقة.*ـ لعل أول ما يلفت النظر في أعمالك هو العنوان " مقصلة الحالم".. «أفاعي النار.. حكاية العاشق علي بن محمود القصاد»، والعنوان كعتبة وكنص موازٍ، كما يقول الناقد الفرنسي جيرار جينت، يبدو كبداية غريبة صادمة واستفزازية للقارئ، كيف تختار عناوين أعمالك.. ؟المقولة الرئيسية في الرواية هي التي تفرض العنوان أو لنقل تختاره؛ ليحمل في مكونه اللغوي إشارات قوية لما سوف يجده القارئ في رواية هو بصدد قراءتها. ثمة بيوت لا تشجعك أبوابها على دخولها، وأخرى تأخذك إلى عوالم البيت الداخلية مصابا بشهوة الاكتشاف. العنوان كباب البيت، كمداخل المدن، كافتتاحية الأغنية، خلل طفيف فيه جزء منه يؤدي إلى الارتباك.*.ما الذي ذهبت إليه عبر روايتك ( أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصاد) الصادرة حديثاً، والفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2015؟في أفاعي النار، ذهب الشخوص في صراعهم مع ما يحدث على أرض الواقع من تحجيم لدور الإنسان وممارسة العنف عليه، وإعادة إنتاج قسوة جديدة للموت من خلاله، ذهبوا إلى الإنسانية ذاتها كمرجعية أولى. ورغم أن الحياة تتشكل في الأصل إثر جملة من الصراعات، لكن المصائر الحقيقية تصنعها الفضاءات الحرة. ففي (أفاعي النار) لا تُفنى الشخصيات رغم موتها، إنما تخلد في ذاكرات من يمتلكون الطاقة للذهاب في الطرق الجديدة، إذ هنالك فرقاً بين الموت والفناء.*كان ملفتا ذلك الربط في (أفاعي النار) بين فقدان الروائي "خاطر" لمخطوط روايته في العمل والعيش في تفاصيلها خلال بحثه عنها.. وبين فقدان الإنسان لهويته في مجتمعاتنا ..؟يمكنني القول إن فقدان الروائي لروايته إحالة إلى إمكانية فقدان الفرد لهويته في زمن بات يعمل على تهشيم الهوية. وحينما انهمك " خاطر " بالبحث عن روايته المفقودة إنما انهمك فعليا بالبحث عن ذاته التي هي عنصر الهوية الرئيسي.*. هل لنا أن نقول إنك تعاين الواقع روائياً في هذه الرواية؟أعاين الواقع روائياً، ولكن عبر زاوية الخارج عليه بجملة من الأسئلة، وعبر عدسة خيال لا تتجاوز غرابتُه الواقع، الذي هو أكثر غرابة من الخيال، خاصة هذه الأيام. لكنني حاولت أن أرتد إلى الواقعية بأدوات جديدة. وذلك لا يعني بالضرورة الوقوف بين الواقعية كمدرسة كلاسيكية، وبين طرائق الحداثة روائياً، ولا يعني أيضاً الاقتراب من الواقعية السحرية، إنما تجاوزهما باتزان.*. إذن أنت تتفق ولا تتفق بنفس الوقت مع كون الرواية هذه الأيام باتت وثيقة تشهد على ما يحدث؟حينما نذهب إلى الحياة روائياً إنما نذهب لنطرح الأسئلة، دون ضرورة إجابتها. وعبر الخيال - الذي لا أحبذ أن يُطلق عليه (فنتازيا) في أعمالي الروائية- أجد السبيل الأمثل للتمرد على السائد. التمرد الذي ينشأ كجبهة مضادة لكل ما يهدد إنسانيتنا. فالرواية كجنس أدبي ليست معنية بملامسة جدران الخير بل بقلقة جدران الشر، لتقويضها. وكلما هُدم جدار، فتش الروائي عن جدار آخر. فكيف لي أن أتمثل وعي التوثيق، وعيني تارة على الواقع، وأخرى على الخيال. لهذا أرى أن هذا الدور، يصلح لأصناف كتابية أخرى، وليس للرواية.*. إلى أي مدى ترى أن خطاب روايتك بكل مستوياته، يمكن أن يصل إلى القارئ الغربي، كونها ترجمت إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وستترجم إلى الصينية والهندية والإسبانية؟ثمة عناصر معينة في أي عمل روائي، هي من تشير إلى أي مدى يمكن أن تحقق مقروئية لدى الآخر، ألا وهي تلك الرؤية الإنسانية التي تصبغ العمل بالصبغة ( الكوزموبوليتاني)، بحيث تصير أرضاً مشتركة للجميع. في ( أفاعي النار) سعيت إلى أن تحقق الرواية مثل هذه العناصر، لا ذهاباً إلى عالمية الانتشار، إنما ذهاباً إلى المشتركات الإنسانية. فالتطرف بكل أنماطه الدينية والاجتماعية والسياسية والاجتماعية مشترك عالمي، ليس فقط على صعود التضرر منه، بل من جهة ولادته وحتى إنتاجه. بات العالم أكثر توحشاً مما مضى، وباتت مشتركات الألم إنسانياً أكثر مما يجب.*ـ يلاحظ التركيز في كتاباتك، الشعر أو القصة او الرواية، على مقولة واحدة " إنسانية تدعو إلى الحب وتعري التطرف والكراهية"، هل نحن أمام مشروع فكري مختلف ..؟ان كان للكاتب من مهمات، اعتقد أن تعظيم الجبهة الإنسانية هي أهم ما يمكن أن يتبناه الكاتب. ففي ظل تراجع إنسانيتنا أمام حالة الاحتراب التي نشهدها عالميا وبأكثر من شكل، لابد من الذهاب إلى الإنسانية كمظلة تضم الجميع بكل اختلافاتهم وتنوعاتهم وميولاتهم. بات عالمنا هذه الأيام أكثر اتصالا وباتت الأزمات أكثر تأثيرا وانتشارا وانعكاسا. لهذا ما من جهة يمكنها تبني نهج النعامة في الخلاص. يبدو هذا الطرح يوتوبيا حينما يتأمله البعض، لكنه الوحيد الذي ما يزال قابلا للاعتناق أمام رايات الموت المتعالية باضطراد. احلم بما يمكنني أن اسميه العائلة الإنسانية الواحدة القائمة على التنوع والتوافق في آن واحد.*ـ بالتالي ما هي رؤيتك ومفهومك للالتزام في الأدب؟إن كنت تقصد بالالتزام الاهتمام بالقضايا القومية و التقدمية، فهذا لا يختلف عما أراه في ضرورة الانتماء الحقيقي للعائلة الإنسانية الواحدة. لكن لو سألتني ما هي قضيتك التي تؤمن بها وبالتالي وتدافع عنها فكريا وأدبيا، ستجد أن الإنسانية هي قضيتي ، وذلك ليس فقط من جهة شموليتها، بل من جهة العودة إلى الوراء حيث الجذور الأولى، التي مثلما أوجدت مناطق مشعة في مسيرة الإنسان، أوجدت أيضا مناطق معتمة.*ـ يلاحظ تأثرك الكبير بالصحراء واهتمامك بالمكان إلى حد " انسنته"، فهو عندك بطل أساسي في الرواية فضلا عن كتابيك 'رذاذ على زجاج الذاكرة ' و ' شبابيك تحرث القدس'، فما الذي يعنيه المكان..؟ربما ليس من المناسب أن انظّر لعلاقتي الوثيقة بالمكان، لكني دائما اشعر بالحنين يقتادني إلى أمكنتي الأولى. بيتنا القروي الأول الذي شهد طفولتي، وما أثثها من حكايات، وأفراح، وأحزان، واكتشافات أولى ما تزال تجد لها أعلى الأمكنة في ذاكرتي. حينما قرأت باشلار شعرت بقرب شديد لما جاء في طروحاته وأفكاره ونظرته الاستثنائية للأمكنة. حينها اكتشفت أن المكان بطل رئيسي في عدد من كتبي، بطل يفرض نفسه بكل تلك التلقائية التي لا تأتي إلا جراء العلاقات الحميمة. المكان جهة حقيقية للذكريات ولتلك الطريق التي لن تستطيع المضي قدما دون أن تفهم أسرارها.* ـ اعتمدت في روايتك (مقصلة الحالم) كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق.. بحيث كنا أقرب إلى رواية نفسية؟.الوصف في الرواية هو بمثابة معاينة خارجية للشخوص وللأماكن التي يتحركون فيها، أما معاينة العوالم الداخلية فإن المونولوج سبيل مهم يتبناه الروائي ليكشف للقارئ دواخل الشخصية. لا يمكن لك أن تكتب عملا روائيا يروق للقارئ دون أن تضيء له تينك الجانبين حتى تكتمل الشخصية. فالمنولوج والتداعيات تفكك الشخصيات وتصبح متاحة للقارئ لمعاينتها، ولسبر أغوارها، وبالتالي يتسنى للقارئ فهم طبيعة الصراح الذي يحدث في العمل الروائي كمعادل موضوعي لجانب من جوانب الحياة.*ـ في ذات الاتجاه تعرضت في " مقصلة الحالم. إلى موضوع مهم جدا وهو العلاقة " الحميمة" الغريبة التي تنشأ بين السجين والسجان أو السجن والتي تجعل (خالد) يعود بعد خروجه من المعتقل كي يرى السجن وسجانيه مرة أخرى..كيف يمكن فهم هذه العلاقة .. ؟.حينما عاد خالد إلى سجنه، إنما عاد لأنه لم يجد عالمه الذي غادره قبل عشرين عاماً من لحظة الاعتقال. إنها لحظة الإنهيار الكبيرة حينما لمس التبدلات الهائلة التي لم تطرأ فقط على المعمار الخارجي، بل انسحبت أيضاً على البنى الداخلية لأبناء مجتمعة، إذ أحدثت هذه النقطة إحساساً عارماً بالوحشة، تغدو إزاءه وحشة السجن أقل وطأة. هذا السجن الذي لا يمكن لذاكرة خالد أن تتخلص من أثر المكان فيه إضافة إلى الزمان والعلاقات بين السجين والسجان، في تجليات معينة للعصب الإنساني. فالسجان والسجين برأيي الخاص ضحيتان للصراع.* ولماذا تقصدت أن يكون المعتقل مقفلا لدى عودة خالد لرؤيته..؟لان في الزمن الجديد أغلقت سجون، وافتتحت سجون جديدة ولكن بأشكال وأدوات أخرى، توهمك بحريتك، وتسلبها منك في ذات الوقت. إنها سمات الزمن الجديد بكل غرائبيته الفجائعية.*ـ استوقفتني كثيرا شخصية " الذئب " التي " يتقمصها" بطل الرواية والذي يتبادل الأدوار والحوار معها وترافقه في رحلته العاصفة وتتأمل معه؟.الذئب في مقصلة الحالم، هو المعادل الموضوعي للخروج على الظلم، والاستبداد، وغياب العدالة. إنه الرافض لثقافة القطيع. فالذئاب حينما تقف برؤوس الجبال وتعوي، فهي إما تفعل ذلك طرداً للقطعان المتآمرة، أو خروجاً على سلطة سيد القطيع. وهنا في هذه الرواية وجد ذئب ليكون صورة أخرى لخالد، الذي حمل في وعييه رؤى رافضة للسائد، وبالتالي بات خارج السياق المهادن، يحظى بغربته وبنفس الوقت يمارس حالة انعتاق فريدة من نوعها.* ـ بالتالي ما هو دور المثقف برأيك.. وكيف ترى طبيعة علاقته بالسلطة السياسية؟للمثقف أدوار كثيرة، أهمها أن يحمل مشعل أفكاره فلا يسقطه من يده، وذلك حتى يندحر الظلام بكل مستوياته. وهذه الأفكار لن تجد لها سقفا إن لم يفرد بنفسه سقفاً له. إن الإرتهان إلى شكل من أشكال السلطة، يضع المثقف في قالب لن يستطيع أن يفعل شيئاً خارجه، فيصبح كعربة القطار، لا يمكنها أن تسير إلا وفق ما تتجه إليه السكة.* هذا يطرح سؤالا إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته؟.هذا يعتمد على خبرته، التي يجب اتكاء عليها أن يرسم تفاصيل شخصيات روايته بحيادية تامة. لكن من المستحيل، أن تجد عملاً روائياً لا يتواجد فيه الروائي، حتى لو في شخصية فرعية ربما لا يوليها القارئ كثيراً من الاهتمام، لأن الرواية بالإضافة إلى كونها مبنية على خبرة الروائي الحياتية، وما شكَّل ثقافته، فإنها أيضاً مبنية على مؤثثاته الداخلية، من ذكريات وآمال ونزعات وأفراح وأحزان وحتى رغبات دفينة.*ـ هناك حالة من الاعتناء " الباذخ" والمقصود باللغة والتي كانت اقرب إلى الشعر ومتمردة على مفهوم النثرية التقليدية .. لماذا هذا " الحفر " باللغة.. وكيف ننظر بالتالي إلى مسألة الأجناس الأدبية كأجناس منفصلة فنياً ؟.نعم هو اعتناء مقصود، وحفر في دواخل الشخصيات، والأماكن التي تتحرك بها، لإيماني بان مستويات اللغة وخاصة القادمة من روح الشعر، قادرة على اكتشاف المستتر، وعلى معاينة الشخصيات من أبعاد ثلاثة. فما سعيت وأسعى إليه في رواياتي، أن أجنب الشخصيات تلك النظرة الأحادية، بحيث يراها القارئ من جهة واحدة. فاللغة وخاصة المستلهمة لمزاج الشعر لا أدواته، هي برأيي القادرة على مقاربة الشخصيات، وإيجادها كشخصيات ذات أبعاد ثلاثة. وهذا لا ضير فيه، بما أن الرواية باتت تمتلك القدرة على استيعاب كافة الأجناس الأدبية والفنية.*ـ يلاحظ اتجاه في الرواية العربية الجديدة نحو الغوص في المحرمات الجنس والسياسة.. هل تراها موضة أم ضرورة .. مع الإشارة إلى أن جرعة الجنس في " مقصلة الحالم" جاءت قوية وجريئة جدا ؟.إنها الضرورة بعينها. فحينما تحمل مصباحاً وتدخل بيتا فصل منه التيار الكهربائي، لتُري أحداً ما البيت، لا يمكن أن تحجب الضوء عن مكان ما بحجة (التابو). لم يأت الجنس في (مقصلة الحالم)، ليخلق حالة من الإثارة هي في الأصل متوفرة في وسائل ووسائط أخرى كثيرة، إنما جاء لإضاءة الجوانب المعتمة للشخصيات، دون الارتهان لأوامر الرقيب الداخلي الذي ربما يؤدي إلى نص مبتور.*ـ لماذا لجأت إلى استخدام اللهجة البدوية العامية في الحوار؟.إنها محاولتي للاقتراب من وعي الشخوص بلغتهم الخاصة. فاللهجات تجلي استثنائي للغة. هذا من جانب، ومن جانب آخر، هي محاولة لتوثيق هذه اللهجة التي أتحدثها، فعبر الروايات تحديدا، تعرفنا إلى كثير من اللهجات العربية.*ـ عندما تقوم بكتابة رواية،هل تكون "الحكاية" بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك؟.حينما تولد الفكرة، لابد لها من وقت لتنمو في البال، وتَطرح كالشجرة شخصياتها. وحينما أعتمد مخططاً تفصيلياً للرواية، تولد أحداث وشخصيات جديدة. أثناء الكتابة تكون الحكاية قد اتضحت بنسبة كبيرة، وحينما تأتي لحظة الكتابة تولد أيضاً شخصيات جديدة، وأحداث جديدة، ومنعطفات لم تكن بالبال، وأيضاً تُقصى شخصيات وأحداث من المخطوط. لكتابة الرواية مراحل أؤمن بها.*ـ هل ترى فعلا أن وسائل الاتصال الحديثة و" الفيسبوك"غدت " سجنا" جديدا للإنسان في عصر العولمة، كما ذهبت في روايتك؟.ثمة من يقولون أن ما يحدث في بعض وسائل التواصل الحديثة، ومنها الفيس بوك هو صورة أخرى عن الواقع، وما يجري فيه. لكني للأسف الشديد أرى أنه في إحدى جوانبه السلبية، بات سجناً جديداً، يضاف إلى كثير من أنماط السجون التي يعانيها الإنسان في العصر الحديث. فحينما تمارس كمستخدم على نفسك نمطاً وهمياً مختلفاً عن نمط عيشك وتفكيرك الحقيقيين، فإنك بالطبع تكون سجيناً لصورة وهمية تعزز عجزك عن مجابهة الواقع. في الفيس بوك يحدث الآن ما يسمى بالحب الافتراضي، والجنس الافتراضي، وتمثل السعادة الافتراضية، والحكمة الافتراضية. ويحدث أن ينصرف كثير من المستخدمين بعيداً عن ارتكازات شخصياتهم المعلنة، حتى لو أتت الأسماء والصور الشخصية بشكلها الصريح. أنظر كم يمضي الإنسان العربي على سبيل المثال وقتاً في هذا الفيس بوك، ينشر صوراً معدلة له، وأخباراً ومقولات لا تتوافق مع سلوكه الاعتيادي. يسجل يومياته بنمط هو يريده، لا كما يمضي. أنظر كم بات مهموماً بمدى تعزيز نزعات خفية لديه بارتفاع حجم المتابعة. إذن هو سجين أخطر ما أفرزته العولمة. إنه سجين الشاشة الزرقاء، ينما العالم خارج هذه الشاشة يجري وفق سياق آخر، دون أن ينتظره، لأن نَفَسه بات أكثر قصراً، وإحباطه أصبح أكثر طولاً.