[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/a.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]عبدالعزيز الروشدي[/author]
"يملك موظّفو الدولة شيئاً لا يملكهُ القطاع الخاص، إنّه واجب الوفاء للخير الأعظم؛ واجب الوفاء لمصلحة الجميع بدلاً من مصلحة البعض. لدى الشركات واجب الوفاء لمساهميها، وليس للبلد". هذا ما ذكره دافيد والكر وهو مراقب عام في الولايات المتّحدة الأمريكية.
قد لا أتّفق كثيراً فيما قالهُ والكر، لكن الرجل يقول شيئاً. شيئاً يحتمل الصّحة والخطأ، على الأقل من منظور اقتصادي بحت.
قبل عدّة أشهر، حضرت مؤتمراً في إحدى الدول العربية، وعلى هامشه قابلتُ متحدّثا إعلاميا بارزاً وممثلا عن إحدى المؤسسات العربية المرموقة.
دار بيني وبينه حوارا سريعاً قبل بدء المؤتمر، سألتهُ عن الورقة البحثية التي سيُلقيها أثناء المؤتمر فأجاب أنّها ستكون حول (تأثير وسائل الإعلام في ظل أزمة انخفاض أسعار النفط)، وبدا لي بأنّ المُتحدّث قد نسّق تلك الورقة في شرائح عرض مرئية.
وقبل أن يحين دوره بإلقاء ورقته البحثيّة تحدّث أحد الخبراء الاقتصاديين العرب عن الأزمة من منظور آخر، ووجّه أصابع الاتهام وعلى الملأ إلى السياسات الاقتصادية التي تُمارسها الدولة التي ينتمي إليها المتحدّث الإعلامي، وتبعاتها على بعض الدول.
بعد ذلك أتى دور المتحدث الإعلامي ليُلقي كلمته، واعتذر عن عدم تمكّنه من إعداد ورقة العرض لضيق الوقت، وبدأ كلمتهُ بردّ عنيف على الخبير الاقتصادي الذي بادله هو الآخر الردّ ضمن الإطار المعقول.
عموما، ألقى المُتحدّث الإعلامي كلمته من دون استخدام شرائح العرض، ومن دون إبراز فكرة واضحة في حديثة، تحدّث عن دور الإعلام في مواجهة الأزمات بشكلٍ عام، وعن الأدوار التي تقوم بها المؤسسة التي ينتمي إليها في احتواء الأزمات، وإشراك المجتمع المدني في صنع القرار. بمعنى آخر، لقد خرج عن الإطار العلمي المُحدّد ليقدّم لنا طبق آخر..
فهل تُعدُّ مثل هذه النماذج مثالاً حياً على (الغباء المؤسسي) الذي سأناقشهُ تالياً؟
على كل حال، وبعد مرور أشهر، وقبل أيّام، قرأتُ مقالا لتشومسكي تحدّث فيه عن (الغباء المؤسّسي)، وقال فيه:" غباء الفرد ميؤوس منه، لكن الغباء المؤسسي هو أكثر بكثير في مقاومة التغيير".
ولتوضيح الفكرة أكثر يقول تشومسكي:" بعض القادة ليسوا أغبياء، ومع ذلك، قدرتهم المؤسسية غباؤها قاتل في تطبيقاتها".
بمعنى آخر، إنّ بعض المسؤولين في بعض الدول يقاومون التغيير، ويضعون فرضياتهم وفقاً للاعتبارات الفكرية أو السياسية التي تنتهجُها دولهم، ويدافعون وبكل قوة - ولو كان النّهج خاطئ - عن أهداف ورؤى واستراتيجيات تلك الدولة أو المؤسسة التي ينتمون إليها.
وذلك يحدث كل يوم، وفي كل مؤسسة، نحنُ نساهم في تكرار الأخطاء ذاتها، وبناء ثقافة خاطئة، وكل تلك المشكلات المؤسسية تتراكم مع الوقت لتُصبح أزمة حقيقية. حتّى يصعُب معالجتها إذا ما تفاقمت وامتد تأثيرها على الاقتصاد والتنمية.
ظل تشومسكي لعقود مُخالفاً للسياسة الأمريكية، وانتقد في أكثر من مقال ومناسبة بعض المؤسسات ووسائل الإعلام والصّحف المحلية التي يملكها بعض الأثرياء.
وقال بأنّ هذه القوى والعقليات ساهمت بشكلٍ أو بآخر في ترسيخ قاعدة الغباء المؤسسي، وإعاقة التنمية، وإهدار الموارد الماديّة والبشرية، أو كما سمّاهُ في كتابه الشهير (عقلانية الانتحار الجماعي). وضرب على ذلك مثالاً يتعلّق بالاستراتيجية النووية، وكيف أنّ بعض المؤسسات توظّف الاشخاص الأذكياء وتوجههم نحو مسارات الانتحار الجماعي بكل "عقلانية".
في الوقت الحاضر الذي نعيشه لا بدّ لنا أن نُرسي قواعد للفكر المؤسسي الحديث، وأن نجعل العمل المؤسسي أكثر تميزا ومرونة وفاعلية. وأن نُبسّطهُ ونُفعّلهُ لخدمة الجميع دون استثناء.
إنّ الاستجابة السريعة لضغوطات المجتمع المدني ومطالبه هي أولوية لا خلاف فيها، ولكن ينبغي أن تكون هذه الاستجابة مبنية على أسس واضحة، فالتنفيذ دون تخطيط ودراسة مآلهُ التعثّر أو الفشل لا محالة.
ينبغي أن تتبنّى المؤسسات بشكلٍ عام مبادرات تُعنى بالتميّز والابتكار عوضاً عن توجيه الموارد إلى العدم. عليها أن تؤسس قاعدة شاملة لبرامج التميّز في شتّى المجالات، وأن ترصد لذلك الجوائز التحفيزيّة. وحتّى نرسم مساراً واضحا للتميّز المؤسسي.

جامعة السلطان قابوس
[email protected]