لا أغالي إن استعملت اللفظ في هذا المجال، ولربما استغرب البعض ذلك، لكن رحلة البداية في القدسية عميقة قديمة قدم التاريخ قال تعالى :  إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  آل عمران الآية 59.
وقال تعالى :  فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ  الصافات الآية 11. واللازب هو اللازق والثابت وفي معجم "لسان العرب" : اللاَّزِبُ واللاَّتِبُ واللاَّصِقُ واحدٌ. واللازِبُ الثابتُ، وصار الشيءُ ضَرْبةَ لازِبٍ أَي لازماً.
وقوله تعالى :  وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ المؤمنون  الآية 12.
في بداية الوجود الإنساني كان " آدم " عليه السلام وهو اسم سماه الله جلّت قدرته به، وقد تماشت لغتنا ومنذ ذلك العصر القديم مع قدسية التكوين لمن خُلِقَ من تراب وسجدت الملائكة له، فأضيفت إلى اسمه ياء فكان "أديم" وأديم الأرض يمتلأ بالتراب والطين. ولنكمل مسيرتنا مع عملية الخلق لنبحث عن زوج آدم إنها "حواء " وفي تفسير القرطبي الموسوم بالجامع لأحكام القرآن يقول : " و زوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام ، وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ، ولو ألمّ بذلك لم يعطف رجل على امرأته ، فلما انتبه قيل له : من هذه؟ قال : امرأة قيل : وما اسمها ؟ قال : حواء ، قيل : ولم سميت امرأة ؟ قال : لأنها من المرء أخذت ، قيل: ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حي . روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه ، وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم ؟ قال : نعم ، قالوا لحواء : أتحبينه يا حواء ؟ قالت : لا ، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه " .
وفي كتاب "الأغاني يروى أن الشاعر العربي "ذو الرمة" قال:إن أول ما قاد المودة بينه وبين (مية) _ وهو اسم الفتاة التي كان اغرم بها _ أنه خرج هو وأخوه وابن عمه بغاء إبل لهم ، قال: بينما نحن نسير إذ وردنا على ماء وقد أجهدنا العطش فعدلنا إلى حواء عظيم ، فقال لي أخي وابن عمي: ائت الحواء فاستسق لنا. وذهبت إلى الحواء العظيم وصبت "مية" الماء له فعاد إلى أهله ومعه ماء وولعه بها. و أخرج بن ماجه عن أنس بن مالك أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي  : " اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ".
لقد أضافت اللغة اشتقاق الحبّ إلى كلمة آدم... أديم... الآن الحب يؤدم ألم نقل بأن الحب كان متبادلاً بين آدم وحواء وإن أخفته، والحواء الري للعطش كري الحب للعاشق الولهان.
عمر هذه الكلمات من عمر بدايات الخلق ، والتوافق والترابط العميق فيما بينها ليس حالة عارضة تمر بل إن أصالة لغتنا وقربها وتقربها ممن أسماه الله _ آدم _ يعطيها قدسيتها لتماثل الاشتقاق والمعاني.
ولنترك لريشة الرسام رسم اللوحة لهذه الوقائع فتتمازج الألوان في ينابيع الماء والخير والري وتتفجر فيها، ويحتويها ويغلفها غلاف شفاف هو الحبّ، ولنعترف جميعاً أن من صفات حواء الاحتواء، وكل حواء تحتوي آدمها.
ويقول الله تعالى في كتابه العزيز :  إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  يوسف الآية2، ويقول عزّ وجلّ في سورة الرعد الآية 37 : وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ، كما يقول تعالى في سورة الشعراء الآية 195 عَرَبِيٍّ مُبِينٍ  ويقول تعالى :  كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  فصلت الآية 3 ، وفي سورة الشورى يقول تعالى :  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ  الشورى الآية 7 ، وفي سورة الزخرف الآية 3 يقول تعالى :  إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
ولنتمعن بهذه الآيات الكريمة... نجد هذه المعاني ومضامينها في القرآن الكريم، وهنا نتساءل هل كانت اللغة العربية قادرة على تلبية معاني القرآن ومقاصده؟ لذا لنعد ثانية إلى رحابها لتتأكد لنا حقيقة القدرة التعبيرية فيها فنجد أن كلمة " آية " كانت ملبّية لما قصده القرآن الكريم.
فهي المعجزة في قوله تعالى  سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  البقرة الآية 211، ومعجزات موسى عليه السلام وتنكّر بني إسرائيل لها معروفة.
وهي العلامة في قوله تعالى  وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  البقرة الآية 248 وهنا المعنى علامة ملكه.
وهي العبرة ومنها قوله تعالى  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  البقرة الآية 248. وهي العجيب في قوله تعالى  وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ  المؤمنون الآية 50, وهي البرهان والدليل في قوله تعالى  وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ  الروم الآية 22. وهي أخيراً تعني المجموع ومنها قولهم : خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم ففي لسان العرب : " وخرج القوم بآيَتهم أَي بجماعتهم لم يَدعوا وراءهم شيئاً؛ قال بُرْج بن مُسْهِر الطائي:
خَرَجْنا من النَّقْبَين، لا حَيَّ مِثْلُنا بآيتنا نُزْجِي اللِّقاحَ المَطافِلا ".
ويضيف الرسول  في حديثه " أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". وفي حديث آخر للرسول  " أُلهم إسماعيل هذا اللسان إلهاماً " رواه الحاكم والبيهقي عن جابر.
وقال  : "يا أيها الناس إن الرّب واحد، وإن الأب أب واحد، وإن الدين دين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم فإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي" وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : " كلام أهل الجنة بالعربية، وكلام أهل السماء بالعربية، وكلام أهل الموقف بالعربية ".
وعن عطاء بن أبي مسلم النصري قوله "بلغني أن عمر بن الخطاب قال : تعلّموا العربية فإنها تنبت العقل، وتزيد في المروءة ". وبعد كل هذه الثوابت هل من شك بقدسية لغتنا وأصالة أمتنا العربية؟!!! إنها ملازمة للبدايات ومستمرة استمرار الوجود.

د.أحمد بن عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة [email protected]