رحم الله عبد الرحمن بن خلدون الذي ترك لنا: "كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.".. رحمه الله، فالتاريخُ عِبَرْ، فهل مِنْ يعتَبِر.
* * *
" حين يقوم شعب عارٍ عن الخبث، برعي قطعانه قانعاً بنفسه، ولا يطالب بأملاك الآخرين.. وحين يهز هذا الشعب النير الذي أثقل كاهله دون أي عدل، ولكنه حتى في غضبته يحترم الإنسانية، ثم في السعادة والنصر يلتزم الاعتدال، فإن هذا الشعب شعب خالد ويستحق أن تصاغ له قلائد المديح والغناء".
هذه كلمات، أرفقها شيللر بمسرحيته " وليم تل"، حين قدَّمها لدالبرغ، مدير مسرح مانهايم، وهذا هو مبدأ تناول الأدب وتوظيفه عنده، مقدِّماً التاريخ. وهو لعمري استخدام شريف للكلمة، واضطلاع بمسؤولياتها، وتعبئتها، والتعبئة بواسطتها، من أجل الحق والحرية والإنسانية، من أجل الفقراء والمظلومين والعدالة الاجتماعية. إن شيللر استقرأ التاريخ، بعد أن قرأه قراءة واعية في فايمار، وكتب فيه، ثم درَّسَه في جامعة ينّا Jena، واستنتج من ذلك نتائج سجلها إبداعه، فكانت لصالح الشعوب، وقضايا العدل، والحرية. وكان " أول من جابه مسألة انتقال السلطات، والهيمنة من طبقة على أخرى، وانتصار الثورة بالفلاحين، الذين عدهم غيره " ظلماً وقصوراً"، عقبة في طريق الثورة؟! وقد تخطى فقدَ الأخلاق، ليبني عالماً أخلاقياً بصورة مباشرة، انطلاقاً من التجارب الواقعية. والبلاط الذي يصوره، يقابل بلاطاً ألمانياً، يمكن تحديده تاريخياً"، كما قال فيتو باندولفي، في كتابه تاريخ المسرح.
ويبدو بوضوح، من استعراض عناوين مسرحياته وموضوعاتها، أن التاريخ هو مادته الرئيسية. ولم يكن هذا أمراً عابراً في حياته وإنجازاته. فهل تلك سمة من سمات عصره، أم توجه خاص عفوي منه، أم تقصُّد لتتبُّع موضاعات تاريخية؟! إن الجزم بهذا أو ذاك من هذه الأمور غير وارد. ولكن هذا مما يسترعي الانتباه، ويركزه على نوع من القضايا والمواضيع، التي نذر شيللر لها نفسه ومسرحه.
في مسرحيته "مؤامرة فيسكو" نجد أنفسنا بمواجهة موضوع ثورة على الظلم والاستبداد، على حاكم جَنَوة أندريا دوريا، الذي استهتر ولي عهدِه جيانثينو دوريا، ابن أخيه، بالشعب وبالحرية، وأخذ يعتدي على المواطنين، ويسلبهم أملاكهم، ويسيء إلى كرامتهم.. وخرَق حرمة الديمقراطية بقوة السيف، فأوقف سيرها، وعيّن من يريد، وعمل بما يريد. فثار الأحرار الذين نذروا أنفسهم للعدالة والأخلاق، وقادهم فيسكو عام 1547 إلى الإطاحة بالحاكم. ولكن أحكم المشاركين في المؤامرة، فيرينا، لاحظ أن هذا الرجل لا يثور من أجل الشعب، ولا من أجل الحرية، ولا حباً بالوطن، وإنما يفعل ذلك لينقل السلطة إليه، وليصبح هو الحاكم، وأن لديه من الغرور وشهوة السلطة، ما سيوقع البلاد في يد حاكم طاغية، يرهق الشعب، ويقضي على روح الحرية. ولذلك أخذ يخطط للخلاص منه في اللحظة التي يؤول فيها الأمر إليه، لتنتخب جَنَوة بحرية تامة، من تريد، ولتقيم أسسَ الجمهورية السليمة. وهذا ما كان، فبعد أن نجحت المؤامرة التي قادها فيسكو ضد أسرة دوريا الحاكمة، وسقط ولي العهد قتيلاً، ونادى الناس بفيسكو حاكماً، أغرق فيرينا الحاكم الجديد، فيسكو، في الماء، قبل أن ينصَّب.
في رائعته العظيمة فالنشتين، وهي ثلاثية كتبها بين (1787 - 1799) وتتألف من: المعسكر - بيكولوميني - موت فالنشتين، عاد شيللر إلى حرب الثلاثين عاماً " ١٦١٨ - ١٦٤٨ "، ودرس ذلك التاريخ، وأنطق الأدبَ مرارتَه، وأعاد الحياة لوقائع ومواقف وشخوص. في ذلك التاريخ، كان هدف فالنشتين "سياسياً بحتاً، كان عديم الاكتراث بالديانات. لقد احتوت جيوشه كثيراً من البروتستانت والكاثوليك على حد سواء، وهدَف إلى تكوين جيش عظيم، لا يدين بالولاء لغير الإمبراطور ثم لقائد الإمبراطور وساعده الأيمن، فالنشتين". هكذا يقول عنه بعض المؤرخين. /انظر: تاريخ العالم للسير جون هامرتون. ج 6 ص 359 من بحث بعنوان: روح الاليزابيثيين، عصر حرب الثلاثين عاماً تأليف: ج.ب بلاك أستاذ التاريخ الحديث بجامعة شيفلد. ولكن ما هي الروح التي سادت حرب الثلاثين عاماً (1618 - 1648)؟! إن العودة إلى التاريخ، تزرع في حلوق كثيرين شوكَ المرارة. لقد فقدت ألمانيا في تلك الحرب ثمانية ملايين نسمة، وكان هذا العدد هو نصف سكانها، وساد الذعرُ أنحاء الريف الألماني ثلاثين عاماً، وشاعت المجاعة، وما يعقبها من طواعين وأوبئة (...) ودفع الجوعُ الناس إلى التهام القمامة، والميتة، والكلاب، والقطط، والحشرات، وحتى لحم البشر أحياناً"/ أنظر إن شئت: تاريخ العالم - حرب الثلاثين سنة بحث ألفه : أليسون فيليبس و - ج.ف. فلر ج 6 ص 395. وانتشرت أنواع من القسوة الهمجية البشعة، مثالها ما ذكره المصدر السابق، عن أن "شارل دوق لورين"، قال بنشوة، في باريس، على سبيل التَّندر: "إن جنوده كانوا يشوون الأطفال أحياناً ويأكلونهم".؟!. وعلى الرغم من أن هناك أسباباً عديدة حركت تلك الحرب، إلا أن الموقف الديني فيها يسترعي الانتباه.
كان الدين بنظر فالنشتين، بطل شيللر، على حد تعبير جابرييل نوديه: " كالدواء الزائف بين يدي أدعياء الطب". وفالنشتين ذاته، كان بروتستانتياً ثم كاثوليكياً.؟! ولكن الموقف العام الرسمي لأتباع المذهبين المتقاتلين، يظهر في التناقض التام في الرأي والحكم على مواقف تمس جوهر الإنسان وكرامته. كالموقف من اجتياح وتخريب (مجديبورغ) مثلاً، وهي المدينة التي عاش فيها مارتن لوثر، وربما لذلك لقيت هذا المصير. يسجل القسيس مينك ما يلي: "شهدت مجدبورغ خمسة أيام طافحة بأعمال القسوة والشهوة، التي لم ترحم جنساً ولا سناً، وأهلكت عشرين ألف نسمة".. و" أن ذلك المعقل الرئيس للعقيدة الانجيلية، تمّ تسليمه إلى البابويين المتعسفين الملطخة أيديهم بالدماء"./ المصدر السابق/. ويرى كونت بانهايم: أن ذلك "بلاء مروع من الله"، بينما يرى البابا أربان الثامن في ذلك رحمة، يقول: "إن أطلال تلك المدينة الخبيثة التي ينبعث منها الدخان، ستبقى على الدهر، آثاراً خالدة لرحمة الله".
هذه الحرب تناولها شيللر مؤرِّخاً، في كتابه "تاريخ حرب الثلاثين عاماً (1791 - 1792)، قبل أن يكتب ثلاثية حول أحد أبطالها وقادتها "فالنشتين". وربما كانت هذه المسرحية (الثلاثية) من أعظم ما كتب شيللر. وقد قدَّرها الألمان تقديراً خاصاً، لأنها أعلت الشأن القومي. ورفعت شيللر كاتباً وشاعراً، يجسد طموحَ الإنسان والوطن والقومية في تلك البلاد، ويعالج مشكلات: السلطة، والطموح، والتنازع العقائدي، وانعكاس أثر الظلم والطبقية الغاشمة على الناس.. والأخلاق، والوطن، والقيم.. كما يكشف جانباً، ذلك هو: علو دور وقيمة ما هو مستقر في أعراف الناس وعاداتهم وتقاليدهم، ذاك الذي يكوّن جذور الأصالة فيهم وفي قيمهم، ونوعَ رد الفعل ومداه، الذي يواجهون به من يتعرض لتلك المقدسات، التي أكسبها القدم ومرور الزمن، والتاريخ، وتسليم الناس بها.. قدسية، ووضعها فوق الشُّبهات. إن فالنشتين يعيش أرَقاً، بل هلعاً، من ذلك الذي لا ينكشف، فتواجهه قوة ضد قوة، "ليس العدو الرهيب هو العدو الذي يظهر مليئاً بالحياة والقوة، بل هو العُرفُ المألوف، هو الماضي الأبدي الذي كان قائماً ثم عاد، وتكررت عودته ليقوم في الغد، كما كان قائماً اليوم. فالإنسان قد صُنِع من العُرف المألوف، والإنسان ينظر إلى التقاليد والعادات نظرته إلى مرضعته. والويل لذلك الذي يمد يده إلى ما لدى الإنسان من قديم جليل، إلى الميراث الغالي الذي آل إليه من أجداده. إن مرور السنوات ليحمل في طياته قوة، تضفي على الأشياء القدسية.". هذا ما يقوله فالنشتين، أو شيللر على لسان فالنشتين. ويقوده اصطدامه بهذه المقدسات إلى نهايته. لقد غذى طموحه وكبرياءه أكثر مما يجب: حلُم بالمملكة، ووجد من يلعب على وتر كبرياء البطل فيه، فصمم على اتخاذ خطوات تجعل منه ملكاً مستقلاً عن فرديناند. وكان ذلك التلاعب بغروره وكبريائه جزءاً من مؤامرة مدبَّرة، لكشفه وإدانته، لعبت فيها الكونتيسة تيرزكي Terezky دوراً خبيثاً.
لقد قُتل فالنشتين، قائد المعسكر الكاثوليكي، بيد ضابط طموح، هو صديق له أصلاً، ويدعى بيكولّوميني Piccollomini كانت له أهداف في الوصول إلى مركز فالنشتين. ولم يتدارك فالنشتين أمره بالسرعة المطلوبة، ليفوّت الفرصة على خصومه، لقد طالت حيرته، وطال قلقه، وربما عجزُه، عن إدراك دواخل ذاته. وجاء كل ما جاء بعد ذلك، متأخراً.
في هذا النص التاريخي، المتداخل الأحداث، الذي ترجمه إلى العربية د. مصطفى ماهر، يظهر لنا شيللر كاتباً مستوعباً للتاريخ، ومتمكناً من الأدب، ومتقناً لحرفة المسرح. وقد سجل له كثيرون اعترافاً بفضل كبير، كما سجل له الألمان بعدها، اعتزازَهم به كشاعر ألمانيا القومي. وكان توظيفه للتاريخ، وتكوينه للشخوص وعلاقاتها وغناها، ينم عن نضج واضح، ورؤية مشرقة.
وقد ازداد شيللر نضجاً، بعد أن كتب عدداً آخر من المسرحيات التاريخية، وبعد دراسته المتعمّقة للتاريخ، واستفادته من درس الحماسة غير المحدودة للثورة الفرنسية- فقد كان موقفه مغايراً لموقف غوته من تلك الثورة- التي استهوت الشباب الألماني في القرن الثامن عشر، وشيللر منهم.. تلك الحماسة التي أهلته للقب مواطن فرنسي، منحته إياه الجمعية الوطنية الفرنسية في جلستها المنعقدة بتاريخ 26 آب 1792 بموجب براءة رسمية، محفوظة في فايمار. وكان ذلك لما شهده من فوضى وسفك دماء، ولشدة ما هزته فظائع بعض الثائرين، وقصة مقتل الملك لويس السادس عشر في 21 كانون الثاني " يناير " 1793، حيث بدأ منذ ذلك التاريخ، ينظر بتشاؤم إلى مصير الثورة الفرنسية، ويبشر بقرب نهايتها.
وظهر ذلك النضج في مسرحيته "وليم تل"، التي تناول فيها موضوع نضال السويسريين، لتحرير بلادهم من النمسا وحكامها الذين يبطشون بهم، أمثال جسلر Gessler. لقد ذاق هذا الشعب ألوان العذاب والهوان، وأُهين أحرارُه، وامتُصَّت خيراتُه، وعانى الناس أشكال الاضطهاد والتبعية والسلب والإذلال.. حتى أن الحاكم جسلر رفع لهم قبعة على عصا، وطلب إلى كل رجل أن ينحني لها، لأنه أقل من أن ينحني له شخصياً أو للإمبراطور. وعندما زاد الظلم عن حدود كل احتمال، وانضم النبيل الممثل للشعب والبلاد رودنس U. Bon Rudeenz إلى الحاكم، ودعا للاعتراف بتبعية بلاده للنمسا، متنكراً لطلب عمِّه البارون "فرنو" أن يخلص للشعب ويحمي كرامة البلاد.. قرر الفلاحون والرعاة وبقية أبناء الشعب أن يثوروا على هذا الوضع، وتنادوا للقضاء على الطغيان، في تعاهدهم السّري، الذي شكل بداية اتحاد بين الولايات الثلاث: اشفييتس، وأوري، وأونترفلدن، وأَوكل الأمر إلى مجموعة من الأشراف الأحرار، ليتابعوا الإعداد ليومٍ، حُدد فيه بدء التحرك.
على مسار آخر حرك ظلم الحاكم جسلر يدَ رجلٍ عُرف بشجاعته وشهامته، هو وليم تل، فأراد الحاكم أن يهينه ويتخلص منه، فأمره ـ وقد رفض الانحناء للقبعة ـ أن يصوب سهماً إلى تفاحة، وضعت فوق رأس ابنه. ولم تُجدِ كل شفاعة منه، أو من سواه، لتلافي ذلك. وعندما نجح تل في إصابة التفاحة، أمر الحاكم بجره مقيّداً ليسجن في قصره، لأن تل كان قد أخفى سهماً ليغرسه في قلب جسلر، إذا ما أصاب ابنه أذى، واكتشف جسلر ذلك. في الطريق إلى القصر يتخلص تل، ثم ينصُب كميناً للحاكم ويقتله.. وبهذا ينتشر مد الثورة، وعجل بها رودنس ابن عم البارون، الذي عاد ليدافع عن شرف بلاده، وحرية مواطنيه، بعد أن دفعته حبيبتُه برتا لذلك. ويتحقق النصر الذي شارك في صنعه الرعاةُ والفلاحون والأشراف من الولايات الثلاث. ويؤول الأمر إلى رودنس الذي يحرر عبيدَه، ويتزوج من برتا، التي تعلن انتماءها للبلاد والشعب.
ويهمني أن أتوقف عند بعض المضامين والأفكار والقيّم، التي وضعها أو أشار إليها شيللر في هذه المسرحية، لنرى أن هذا النضج والتوازن الفكري، في الإطار الكلاسيكي لمسرح شيللر، كانت بذوره موجودة حتى في مسرحيته اللصوص، كما أشرت. فما " وليم تل"، إلا انتصار لبذور على بذور، في حقل تفاعلت فيه الأخلاقيات مع المعرفة والتجارب والوقائع في حياة الناس ونضالهم. لقد كان شيللر مع الشعب والحرية والحق والرَّب، هذه الثوابت لديه لمسناها بجلاء في اللصوص، أول مسرحية له، وإن كان التعبير عنها، وأسلوب الوصول إليها، يختلف. إن المنطق في " تل" غدا أكثر وضوحاً، وظهر استناد الفكرة إلى رؤية، وانبثاق الرؤية من فلسفة مستمدة من وعي للتاريخ وعبَرِه، ووعي بمعطيات التجربة الإنسانية، والمعرفة البشرية. كل ذلك أخذ يقوده بانتظام إلى يقينيات الكاتب، التي أخذت تشع بصفاء، ونصل إليها بانتظام، من خلال تنام للحدث والهدف، وتوظيف لهما.
في هذه المسرحية، التي تدور حول ثورة أبناء سويسرا، لتحريرها من سيطرة النمسا، وكان الفلاحون عماد ثورتهم، التي استندت تاريخياً إلى سلسلة من اتفاقيات التوحيد بين المقاطعات السويسرية الرئيسة على الخصوص، مثل: شفييتس واوري 1370 وكان آخر وأهم ما تعاهد عليه الثوار المحرِّرون، الاتفاقية الأخيرة، التي ضمت أوري وشفييتس وأونتر والد وزيورخ وزيج، بتأييد من رجال الدين لأول مرة. وتم النص على أنه: " على كل من يقيم في حدود الاتحاد الولاء له "، وإلغاء يمين الولاء للنمسا. وخضع، بموجب الاتفاق، رجال الدين للمحاكم الدينية المحلية.
لقد تمكنت الجهات المتعاهدة، وتمكن أحرارُ سويسرا، من تحريرها وتوحيدها. ولعب وليم تل دوراً في ذلك، ليس من خلال التنظيم أو الانضمام للثوار، ولكن المصادفة قيّضت له فرصة لعب مثل ذلك الدور.
وأحب أن أتوقف قليلاً، في المسرحية، عند بعض النصوص والمواقف التي تتصل بفكرتها وأهدافها، وكذلك بفكر شيللر وبعض أهدافه.
1- في المنظر الثالث، من الفصل الثالث، مشهد بين وليم تل وولده فالتر، يقول فيه شيللر على لسانيهما:
تل: البلاد جميلة وخصبة بالخيرات مثل السماء، لكن الذين يزرعونها لا يتمتعون بالثروات التي يولدونها.
فالتر: ألا يقيمون، أحراراً مثلك، على الأرض المملوكة لهم؟
تل: الحقول يملكها الأسقف والملك.
فالتر: وأظن أن لهم الحق في القنص في الغابات كما يشاؤون؟!
تل: القنيص ذو الشعر والريش مملوك لسيدهم.
فالتر: وأظن أن لهم الحق في الصيد من السيل " النهر " بحرية؟!
تل: السيل " النهر" والبحر الملح، كلها ملك للملك.
فالتر: من هو الملك الذي يخشونه جميعاً؟
تل: هو الإنسان الوحيد من نوعه، الذي يحميهم ويطعمهم.
فالتر: ألا يستطيعون أن يحموا أنفسهم بأنفسهم بشجاعة؟!
تل: هناك.. الجار لا يستطيع أن يثق في جاره.
فالتر : يا أبي قلبي يختنق في هذه البلاد الواسعة، أفضل أن أسكن تحت الانهيارات الجليدية.
تل: نعم يا بني، أن تكون حقول الجليد في الظهر أفضل من أن يكون في الظهر أناس أشرار"/ النص ، ص ١٢٤
لقد جاء في البند الرابع من طلبات الفلاحين، إبان ثورتهم " 1514- 1525م "، وهي طلبات مستمدة بجلاء تام من تعاليم مارتن لوثر، جاء ما يلي:
" لقد جرت العادة حتى الآن على أن الفقراء لا سلطة لديهم على صيد حيوان البرية، وطير السماء، وسمك المياه الجارية. وهذا شيء يلوح لنا غير مقبول على الإطلاق، ومنافياً للأخوة، وأنانياً، وغير مطابق لكلام الرب.. إلخ .". إن هذا الذي يسوقه شيللر، في مشهد قصير، بمنتهى البساطة والعمق.. يحتوي على أنموذج للتعريف بالحق، والتحريض على أخذه، وكشف الوسيلة وعللها، والتعبير عن مدى الضيق الذي يلف عنق المرء، عندما يعيش وضعاً كهذا، ولا يجد إلى الخلاص منه سبيلاً. إنها تعليمية تحريضية متمكنة من أسلوبها، تقدم نفسها بفنية عالية، من دون مباشرة أو تعالٍ أو إحساس بالتعليم والتفوّق والأستَذة.
وينطوي ما جاء في هذا المشهد، على إحساس مرّ بالظلم، ودعوة صريحة لمقاومة الظالمين الذين يخالفون تعاليم الرب، ويجعلون الحُر يضيق بوطنه. كما ينطوي على كشف للوضع الاجتماعي الذي ينتشر فيه الظلم، وللضعيف الذي يُقضي عليه. وكان دأب شيللر، منذ شق طريقه إلى المسرح في اللصوص، مقاومة الظلم والتسلط، والتحريض على التخلص منهما، والاستناد إلى الجماعية والمثالية في مقاومت ذلك.
وهنا يتألق عرضه للفكرة، وأسلوب تحقيقها.
2- في المشهد الثاني، من الفصل الرابع، يقول شيللر على لسان البارون اتنغهاوزن وهو يحتضر، وقد سمع بخطط الفلاحين للخلاص من الظلم، يقول: " هل أقدم الفلاح على هذا العمل معتمداًً على نفسه وحده، من غير أن يستعين بالنبلاء؟! إذن لقد شعر الشعب بقوته الحقيقية، إذن لا حاجة للأمة بنا، ونستطيع أن ننزل في قبورنا بكل اطمئنان. إن عظمة الإنسانية ستعيش بعدنا، وهي تريد أن تعتمد على قوة غير الأولى البالية"..." العالم القديم تندك معالمه، والدهر ينقلب، وأرى حياة جديدة تنمو وتزدهر بين أنقاضه".
إن هذا النص، يشير إشارة واضحة إلى إحساس شيللر واقتناعه بتغيّر العصر كلياً، وبتغيّر الطبقة التي ستسود في المستقبل. إن الفلاحين، وأصحاب المهن، يتسلمون مقاليد الأمور، وقد انهارت فعلاً سلطة الطبقة السابقة. وإحساس البارون بعالم تندكّ معالمه، وبحياة جديدة تنمو وتزدهر، هو إحساسٌ من ذلك الذي أشارت حركة العاصفة والاندفاع، إلى أنه أعلى من العقل.
إن الإلهام المستند إلى حقائق الواقع، والمستمد منها، يكشف ببصيرة، عن مدى التغيرات، وعن مقومات التغيير وقواه. وشيللر الذي كان فقيراً ونقياً مع الأنقياء، وضميراً حياً للشعب، استبطن حقائق الداخل، وأدرك متغيرات الظاهر، وأعلن انتصار الشعب، وإقبال دولته.. وأجرى ذلك على لسان ممثل طبقة في لحظة موته، مؤقتاً الأمر توقيتاً درامياً، مستمَداً ببساطة من الواقع حتى لا يوحي بالافتعال، وتصنع الإشارة، والربط.
لقد كانت هذه إحدى القضايا الرئيسة عند شيللر، قضية أخلاقية وسياسية واجتماعية ودينية، متصلة بالعدالة. وهي موجودة في تعاليم لوثر بجلاء، وفي مطالب الفلاحين بمواربة وبعض الحياء.
3- في المشهد الثاني، من الفصل الرابع، يقول شيللر على لسان البارون أيضاً : " شرف النسب يهبط من أعالي حصونه القديمة، ويقسم للبلدان يمين المواطنة. وسيطرة المستبدين تتحطم أمام إرادة الشعوب، لأن إرادة الشعب هي مصدر كل سلطة. أرى النبلاء والأمراء يحملون بكل ما عندهم من السلاح، على شعب الرعاة الكريم.. احتدم القتال. سالت الدماء غزيرة، وتسارع الفلاحون بصدور عارية، يستقبلون وابل السهام بلا مبالاة، كأنهم ضحايا تُبذل على مذبح الحرية. هاهم يتكلمون بنصر مبين، وتخذل جيوش الاستعباد. وهاهي الحرية ترفع راياتها الظافرة."
إن هذا النص شبه استمرار للسابق، ولكن هنا أيضاً غِناء شيللر الحار لشعب الرعاة المنتصر على النبلاء، الذي دفع ثمن الحرية: دماً طهوراً، وغناء أشد حرارة للحرية الظافرة، التي ترفع راياتها للوطن إلى الأبد. لطالما عصفت بشيللر رياح التوق إلى الحرية وسيادة الشعب، ولطالما عبّر عن ذلك بأساليب وأشكال متنوعة، نشهدها في مسرحياته: عصابة اللصوص، مؤامرة فيسكو، وفي رومانسية جان دارك. وها هو يصل إليها باتحاد الشعب ونضاله وتضحياته، يصل إليها بانتماء أبناء الفلاحين والرعاة والشرفاء إلى الوطن والسيف، ليرفعوا راية الحرية، وليصنعوا مجدها العريق. إن حلُماً عزيزاً لشيللر يتحقق أو رؤية تمتد مستشرفة على مدِّ البصيرة: الفلاحون، بصدور عارية يستقبلون وابل السهام بلا مبالاة، ويتساقطون على مذبح الحرية، ولكن يتكللون بنصر مبين على جيوش الاستعباد، وترتفع راية الحرية ظافرة.".. أليس هذا هو ما ناضل من أجله شيللر، وحلم به، وكرس لـه قلمه؟! ولذا كان هذا الفرح وهذا النشيد، على هضاب سويسرا، للحرية وللقوة وللشعب المنتصر.
إن صوت الشعب يرتفع عالياً في وليم تل، ويصرخ ملشتال بوجه الفروسية والنبالة: " من هو الفارس إذا لم نؤيده بثقتنا؟ إن الفلاحين أقدم طبقات الشعب ". نعم وإنه لكذلك، نعم وإن له السيادة. ويحق للأرض أن تفرح به، ويحق لوليم تل أن يقول للمستبد:" إن منازلنا حرة، والبراءة لن تخشاك بعد اليوم، أفرحي يا بلادي، لقد مات اللدود".. وربما تجلَّى إبداع شيللر لنشيد الفرح، الذي كتبه، وتضمنته السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، من هذا النجاح كله، لكل المناضلين ضد الظلم، ومن أجل الحرية والكرامة.

علي عقلة عرسان