الإنسان يتحول إلى طاقة هائلة من الإبداع والعطاء عندما يقوم إبداعه على أساس من الإيمان والصدق التَّنسيق بين المبدعين والتلاحم بينهم من عوامل النضوج الإبداعي وازدهاره وتفوقهإعداد ـ محمد عبدالظاهر عبيدو:أولى الإسلام الشخصية الإنسانية عناية فائقة، وجعل بناءها وتطويرها من أولوياته التي تقوم على مقاييس محددة في غاية الدقة والإتقان، بخلاف المقاييس البشرية التي ترتكز في معظمها على الأهواء البشرية والمصالح الضيقة.* المقصود بالشخصيةالنظام المتكامل الذي يشمل كل الاستعدادات والميول والغرائز والدوافع والقوى البيولوجية الفطرية الموروثة، وكذلك الصفات والاستعدادات والميول المكتسبة من الخبرة، أما الشخصية الإبداعية: فهي مجموعة الخصائص والصفات الشخصية التي تحفز الإبداع في الإنسان .وغني عن القول أن الرؤية الإسلامية مسارٌ مفتوحٌ لاستشعار الجمال ـ وبالضرورة الإبداع ـ واستنطاقه واستيطانه واستلهامه والبحث عنه وتنميته بأبعاده المختلفة ومستوياته المتباينة ومجالاته المتنوعة (الروحية والمادية) حتماً ضمن الرؤية النابعة من قلب الإسلام والمنضبطة وفق تصوره، ولا يخفى أن من أبرز خصائص العقل الإبداعي، الإدراك الجمالي، واكتساب القيم الجمالية؛ فالتربية الجمالية درجة ارتقاء للعقل في معراج الفكر وتحليق للروح في فضاء الإيمان الوضيء، فهي توسّع الفضاءَ المعرفي والوجداني، وتجعل مدرِك الجمال أقرب إلى مبدِع وخالق الجمال، وإذا أضفنا إلى ذلك أن مدرِك الجمال يمتلك وجداناً حياً يقظاً، فقد نجد المبدع شخصاً ذا حساسية مرهفة وقدرة على الإدراك الدقيق للثغرات والإحساس بالمشكلات، فمنظر غروب الشمس قد لا يثير عند الشخص العادي سوى ترقب قدوم الليل، أما بالنسبة للمبدع فقد يكون بؤرة لكثير من المشاعر بمقياس الحساسية المرهفة والوجدان اليقظ، وقد جاء الإسلام ليُطْلق الطَّاقاتِ الفاعلةَ والمؤثِّرة، ويدفع الإنسان لاكتشاف قوى الكون وأسراره، ويحفز النشاطات العقليَّة والعمليَّة، ويوظِّف مواهب الإنسان توظيفًا حضاريًّا لائقًا بالكرامة الإنسانيَّة، ويقدر التخصُّصات ويشجِّعها ويرعاها؛ ليقوم كل فرد في المجتمع بسد الثغرات في المكان الذي يعمل ويبدع فيه.* الإسلام رفع من شأْن العقل الإنسانيإنَّ الانطلاق الصَّحيح لبناء القُدْرة الإبداعيَّة، الَّتي تنهض بالمجتمع ـ كما يَراها الإسلام ـ هيَ التَّربية الإيمانيَّة التي تربط المُبْدِع بأصول دينِه، فالإنسان يتحوَّل إلى طاقة هائلة من الإبداع والعطاء عندما يقوم إبداعه على أساس من الإيمان والصدق، والوضوح، والوعي الصحيح، فالإسلام هو الدين الوحيد الَّذي رفع شأْن العقل الإنساني، وحثَّ الإنسان على استِخْدامه والنَّظر في الكون وعمارة الأرْض؛ قال الله تعالى(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)) هود ـ 61(، وإنَّ القدرة الإبداعية هي عصب الحياة، وبها تتحقَّق رفاهية الإنسان، ومجْدُه واستِقْراره ونَهضتُه، فالحياة على الأرْض تَستحيل بدون وجود مُبْدِعين يَكتشِفون ويخترعون، ويُجدِّدون ويطوِّرون، وينوعون الأنشطة البشريَّة والعمرانيَّة، ولو أدْرك البشَر أهمِّية المبدِعين، لأصبح بناء المُبْدِع على رأْس الأولويَّات العالميَّة، ولحوَّلوا اللَّيل والنَّهار إلى إبداع؛ فصناعة المبدع هي صناعة للحياة والحضارة.* الاهتمام بالبيئة المشجِّعة على الإبداعفالإسلام يوجِّه المبدع ليحرِص على ما ينفعُه، ويستعين بالله ولا يعجِز، ويعالج الندرة الإبداعية لديه، وينقِّي هدفَه الإبداعي من كلِّ ألوان التسلية والتفاخر، أو إشباع الرَّغبة الذاتيَّة، كما يهتمُّ الإسلام بالمناصحة الإبداعيَّة والحوار الإبداعي لتتكامل وجهات النظر الإبداعية، فالتَّنسيق بين المُبْدِعين والتَّلاحم بينهم من عوامل النُّضوج الإبداعي وازدهارِه وتفوُّقه، كما ربط القُرآن الفِعْل الإنساني بالخيريَّة لتحقيق الفلاح؛ قال الله تعالى) : وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ((الحج 77)، كما يهتمُّ الإسلام بالبيئة المشجِّعة على الإبداع، ويرغِّب في تَحصيل ثوابِ الدُّنيا والآخِرة لِمَن عمِل صالحًا؛ وذلك ليتحمَّس المبدع للرِّسالة التي يَحملها، ويدخُل عالم النَّجاح الواسِع، فتمتلِئ الحياة بالإيجابيَّة والخير، ولا يتوقَّف قطار الإبداع، كما أنَّ الإسلام يَبني القُدْرَة الإبداعيَّة برؤيةٍ شُموليَّة متكاملة، لا تُهمل ذرَّة من شؤون النَّفس والمجتمع، ويُحرِّك أبناءَه في إطارٍ من التَّوازن والاعتِدال، الَّذي لا ينحرف بالفِطْرة الإنسانيَّة عن جوهرها الصَّحيح، قال تعالى:(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( (فصلت ـ 40)، كما أنَّ الإسلام يحْرس الكيان الإبداعيَّ للمجتمع بالنَّهي عن كل إبداعٍ يؤدِّي إلى إسراف وتبذير، وإهْلاك للنّعم والثَّروات التي يمتلكها الإنسان، قال تعالى:(وكلوا واشربوا ولا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ) (الأنعام ـ 141)، فكلُّ إبداع ينفَعُ النَّاس ويَمكُث في الأرض يشجِّع الإسلام عليه، وكلُّ تقْنية تؤدِّي لازْدِهار الحياة يرغِّب فيها، مع التمسك التَّام بالخصوصيَّة الحضاريَّة التي تحمي مجتمعاتِنا من الانفِلات، وضياع شخصيَّتنا الحضاريَّة.* إمام وخطيب جامع محمد الأمين