يؤكد أن مهمة الشاعر أن يقول الأشياء إيماءً، وأن يرفع السراج عالياً

مسقط ـ العمانية :
القصيدة لدى الشاعر حسن المطروشي، "سؤالٌ جارح يمتزج ويتماهى عبر اللغة ليصبح صورة شعرية متفجرة تمارس غواياتها ومراوغاتها اللانهائية". هذا ما يقوله صاحب "مكتفياً بالليل" و"لَدَيَّ ما أنسى" في حوارٍ مع وكالة الأنباء العمانية، مؤكداً أنه "ليس ثمة مخطط ثابت أو خرائط جاهزة تقودك للكنز أو طرقات معبّدة لتسلكها خيول القصيدة.. بل هو البحث والسؤال والحفر الدائم في جسد اللغة وأعماق الروح، بالأظافر والأنياب والنزيف".
ويضيف المطروشي الذي صدر له في الشعر أيضاً: "وحيداً.. كقبر أبي" و"على السفح إيّاه": "لا بد من إيجاد تلك الأخاديد والندوب العميقة في القلب عند كتابة القصيدة، تماماً كما وصف الأعرابي يوماً أفخر قصائده قائلاً: نكتبها وأكبادنا تحترق".

يوضّح حسن المطروشي مسار خطواته وهو يخوض تجربة القصيدة، قائلاً: "بحثت طويلاً عن طريقي الخاصة التي أسلكها وحدي دون سواي، فوجدتها بعد حروب مع الليل والسهر، والتنقل بين أوراق الكتب الصفراء العتيقة وحكمة الشيوخ وأغاني العشاق، حتى قادتني خُطاي إلى عالمي الخاص الذي أثّثته بنزفي وأرقي وغرباتي الطويلة". مؤكداً بثقة العارف: "الأمر ليس سهلاً، ولا يتأتى للمرء وهو متكئٌ على أريكته يمضغ الهواء!".
يراهن المطروشي على المضمون، وعلى الحمولات الرؤيوية والدلالات الفلسفية والأسئلة التي تثيرها القصيدة، ورغم ذلك يسعى جاهداً كي لا تظل القصيدة رهينة الفكرة وحبيسة المعنى الضيق لأي مضمون، فهي تتخذ من الفكرة منطلَقاً للنزوع والتحليق، وسرعان ما تتمرد على الفكرة نفسها، وتسعى إلى تدميرها وتحطيمها، وتهشيم أطرها والتخلص من براوزيها، من أجل إعادة بنائها وتشكيلها، وفق صياغات شعرية مبتكرة وجديدة تخْلص للشعر وتنحاز للدهشة والمفارقات الصادمة لتوقعات القارئ.
لذلك، فإن "ألاعيب الشكل والأوزان والإيقاع الخارجي للقصيدة" هي آخر اهتمامات المطروشي، رغم إخلاص تجربته لقصيدة التفعيلة والبيت.

اعتزاز لا ينتهي
ويعتز الشاعر الذي تُرجمت مجموعته "لدي ما أنسى" للفرنسية، بقرويّته، ولا يبدو متصالحاً مع المدينة بما تعنيه من صخب وضجيج. لكن؛ أليس في هذا تمسّكٌ بطوباويةٍ حلُمٍ؟
يقول رداً على ذلك: "اعتزازي بقرويتي وإخلاصي لها ليس حميةً جاهلية أو نزوعاً بدائياً، بل هو انتماءٌ للضمير الذي يسكنني وأسكنه منذ وطأت على هذه الأرض". ويضيف: "أكرر دائماً أنني بحّار قروي. جبيني يرْشَح ملحاً، وفي داخلي أصوات أجدادي من القراصنة والغوّاصين القدماء، وفي ضلوعي تنسج النوارس أعشاشها وتبتكر هجراتها، وفي رئتي رفيف الصواري الأبدي، وفي دمي مواويل الصيادين البسطاء. أنا ابن الشمس والعراء والسواحل الممتدة والمساءات المضمخة بعبق الشواطئ البعيدة. أنا رفيقُ الموجة وصديق السمكة وشقيق الأصداف".

القرية هنا
ويتابع تجلّيه وهو يستحضر القرية بذكرياتها الحميمة: "أمضي في ليل المدن غريباً بوحشية أسلافي، يشطرني الحنين إلى مواطني الأولى التي أحملها معي خلسة وأخبئها بين دفاتري كما أخبئ صورة أمي وصوت أبي. قد أستوطن المدينة وأستسلم لجبروتها مرغماً، ولكن كما يقيم بعضهم تحت الاحتلال!".
يقرّ المطروشي أن هناك كلمات تخونه، كما أن هناك كلمات يخونها هو مع سبق الإصرار والتعسُّف، لأن واقعنا العربي والاجتماعي لا يتّسع لقولها. فأين المفرّ؟ وكيف ومتى يقول المبدع ما في جعبته قبل أن يمضي؟!
"نحن في عالم محاصَر يخشى الكلمة ويجرّمها ويعدمها ويحاكمها وينصب لها المشانق"، هذا ما يراه الشاعر الذي صدرت مختارات من شعره مترجمة للإسبانية بعنوان "أطل عليكم من هذه الكوّة"، موضحاً: "إننا نعيش في عالم وحشي فقدَ فيه الإنسان إنسانيته، وغلب علينا قانون الغاب، وأصبحنا وحوشاً ضارية نفتك بعضنا بعضاً ونسفك دماء بعضن بعضاً بشراسة لا متناهية".

الكلمة في الغابة
وهو يؤكد أن أخطر ما يحمله الإنسان في هذه الغابة هو "الكلمة".. ويتابع: "كلماتنا موؤودة ومشلولة وعاجزة. هناك من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وبالتالي يملك الحق في محاسبة من يخالفه أو لا يوافقه الرأي. ثمة قاع مظلم تعيشه مجتمعاتنا العربية، قاع موبوء ومهترئ، يهيمن عليه خطاب تدميري عنيف ومرعب. لذلك بات صاحب الرأي مسكوناً بالوجل مما يترصد كلمته وكيفية تأويلها، الأمر الذي يجعلنا نمارس خيانة كلماتنا ويجعل كلماتنا تخوننا أيضاً".
يكتب المطروشي قصائده بـ"ضبابية موحية"، أيْ بتقديم منطق الاحتمالات الخصب ومتعدد القراءة والتأويل على منطق اليقين المحدد والمحسوم. وهو يردّ هذا التوجّه إلى أن الشاعر يقيم في تلك المنطقة الضبابية ولا يغادرها، فإن غادرها أصبح أيّ شيء سوى الشاعر.

هامش الاكتشاف
ويقول: "الشاعر ليس معنيّاً باليقينيات والقطعيات، فتلك مهمة الوعاظ والخطباء والكهان. الشاعر صفارة إنذار كما وصفه نزار قباني، وهو كالإصبع في الحكمة الصينية، يشير إلى القمر ولا يوصل إليه. مهمة الشاعر أن يقول الأشياء إيماءً، وأن يرفع السراج عالياً، وعليك إكمال مهمة أن تسلك الطريق إلى آخرها".
ويشدد المطروشي على ضرورة وجود "هامش" يتركه لك الشاعر لاكتشاف القصيدة من زاويتك ووفق مقارباتك ووعيك الخاص، فهو "لا يلزمك برؤيته أو يفرض عليك تفسيره أو يملي عليك براهينه الحاسمة. القصيدة المعلّبة الجاهزة تجاوزها الزمن وتعدّاها منطق الفن الحقيقي".

حداثة أسلوبية
ثمة حداثة أسلوبية في قصائد المطروشي الحرة والموزونة، طالعة من الأصول الشعرية العربية، كإيقاعٍ ومناخٍ وعبارة، بحسب تعبير أحد النقاد الذي يضيف أن هذه القصائد تثبت للشاعر "النسب الأصولي الكلاسيكي" أكثر مما تثبته مقطوعاته الموزونة بكامل أوزانها والمقفاة. فما العلاقة بين الحداثة والشكل وفقاً لمنظور المطروشي؟
"الحداثة شأن مرتبط بالوعي والتفكير وأطر التعبير والتجريب والمغامرة أكثر من ارتباطها بالأشكال والأنساق الخارجية للقصيدة"، يقول الشاعر قبل أن يضيف: "الحداثة هي التحوُّل الدائم، أيْ أنها في مساءلة دائمة لذاتها، متحولة ومتبدلة قابلة للتجديد دائماً، إنها باختصار عدم الركون إلى صيغة فنية وتعبيرية واحدة، وهي تستهدف البنى الجوهرية والأنساق الأسلوبية، وتسعى إلى خلخلتها وإقلاقها باستمرار، حتى لا تتحول إلى قوالب صنمية أزلية. فما هو حداثيٌّ اليوم، وفق هذا المنطق، ليس بالضرورة أن يكون حداثياً غداً".

مراتب التجريب
وفي نظره، قد تكون القصيدة موزونة (قصيدة البيت أو التفعيلة) في حين تصل إلى مراتب عليا من التجريب والتطوير والحداثة. وفي المقابل قد تجد قصيدة متحررة من الوزن تماماً ولكن لا تتوفر فيها اشتراطات القصيدة الحداثية.
ورداً على تمسّك بعضهم بأن تكون القصيدة بياناً أو منشوراً سياسياً أو خطبة وعْظية، يقول المطروشي: "لا يصحّ للواعظ أن يمسك قصيدتي ويعتلي بها المنبر ليعظَ الناس، كما لا يصح لي أن أقترض خطبة الواعظ وأدّعي أنها قصيدة لي. الوعظ وعظٌ والشعر شعرٌ. ثمة فارق كبير بين لغة الشعر وغيره. ليس من العدل أن نطالب الشاعر أن يمارس أدوار الجميع من الواعظ والخطيب والمربّي والصحفي والسياسي والمؤرخ والمفتي والمداح وغيرها".
الشعر كما يرى المطروشي، "خطابٌ جماليّ ينحاز إلى الروح ويطرق عوالم الداخل، عبر لغته التي تتخلّص من تبعاتها القواميسية وتتمرّد على دلالاتها المكرَّسة وتتفلت من أطرها الساكنة العتيقة، لتبني عالمها الخاص، وتقترح فراديسها الخاصة، وتبتكر طرقاتها الفريدة للسالكين في معارجها".

تجديد القصيدة
انهمك المطروشي في بداياته بتجديد القصيدة الكلاسيكية المقفّاة في الشعر العماني وإثرائها بتقنيات القصيدة الحديثة. وهو يؤكد هذا بقوله: "نعم.. أنا كاهنُ القصيدة المقفّاة الحديثة في عُمان، ولكني لم أعد مخلصاً لها. لقد اشتغلتُ على المشروع وتبنّيتُه بقوة في مشواري، حين رأيتُ القصيدة العمانية المقفّاة دخلتْ مرحلة الشيخوخة في تلك الفترة، في حين قطع الشعر أشواطاً كبيرة وبقيتْ هي للوعّاظ والخطباء ينظّمون عليها أحكام الفقه وشروحات متون اللغة والأخلاق وغيرها من الأغراض التي لا علاقة لها بالشعر. كان لا بد من هزّة كبرى لزحزحة هذا الركام. كانت الفرصة مواتية لي، وكنت الأوحد في هذا المضمار".

جائزة المبدعون
أما ما زاده ثقةً بمشروعه، فهو فوزه بجائزة "المبدعون" في دورتها الأولى عام 1999، قبل أن تتحول إلى "جائزة دبي الثقافية". في هذه الجائزة يوضح المطروشي أنه تعرّف على عدد من الأسماء العربية التي حملت الفكرة نفسها. فالتقت إرادةُ مجموعة من الشباب العربي حول هدف واحد، يتمثل في إعادة تشكيل القصيدة المقفّاة، وهو ما بدأوه فعلاً من خلال نصوصهم التي فازت في تلك المسابقة ولفتت إليها الأنظارعربياً.
ويلفت المطروشي إلى أنه اشتغل على المشروع بعد ذلك، من خلال الكتابة والتعريف بهذا اللون الجديد ودعوة شعرائه إلى عُمان، وغير ذلك مما أسهم في إعادة الثقة لدى الشباب العُماني بهذه القصيدة.
نقطة التحوّل في مشروع المطروشي، وعلى صعيد القصيدة العمانية المقفّاة أيضاً، تمثّلت في قصيدته "من مذكرات الملك حسان بن تبع" التي شارك بها في مهرجان الشعر العماني بصحار عام 2000، إذ نالت القصيدة المركز الأول، وحظيت بشهرة إعلامية وكانت حديث الشباب في تلك الفترة، وقد نشرها الشاعر في مجموعته "وحيداً.. كقبر أبي" (2003)، الذي ضمّ إلى جانبها عدداً كبيراً من القصائد التي تنتمي إلى هذا النوع.
ويؤكد المطروشي أنه لم يعد مقبولاً في عُمان كتابة نص عمودي بأسلوب كلاسيكي قديم بعد أن ذاع صيت تلك القصيدة. ويقول في السياق نفسه: "ها نحن اليوم لدينا في عُمان جيل كبير من الشباب الذين يكتبون القصيدة المقفّاة بوعي كبير، ولكنهم لم يحْدثوا تغييراً جذرياً لافتاً".

يأس الذات
تحوم قصائد المطروشي حول ثيمة اليأس الذي يصيب الذات المفردة للشاعر والجماعة التاريخية التي ينتمي إليها معاً. فأينَنا من الأمل الذي أكد سعد الله ونّوس أننا محكومون به؟
يرى الشاعر أن الأمر لا يمكن عدّه يأساً تماماً، وهو ليس أملاً أيضاً، فثمة حالة أخرى بعيداً عن هاتين الحلقتين: "أنا أعيش حالة انكسار عميق، ربما حالة اشمئزاز من هول ما تكشفت عنه أحداث وطننا العربي الكبير. إننا نعيش منعطفاً خطيراً، تكسّرت فيه الأحلام، وانهارت الشعارات، وظهرت في جسد هذه الأمة أورام قميئة وأسقام خبيثة، ستقودها إلى مخاض عسير، يصعب معه التكهن إلى أيّ هاوية ستقودنا فيها الأقدار".
الآتي كما يرى المطروشي "يبدو مظلماً"، وغدُنا مجهول معتم. ويتابع: "إنها حالة من الحيرة والذهول، فالذي يجري أمرٌ لا يصدّقه العقل. هذا القتل المجّاني وسفك الدماء والتلذُّذ بحزّ الرؤوس وتقطيع الأوصال والتشفّي وتدمير الأوطان تحت شعارات الدين والوطن والسياسة والطائفة والمذهب والمعارضة وغيرها من المسوغات النتنة التي أحالت الكثير من الأوطان العربية إلى مقابر جماعية وحروب همجية بغيضة، أنتجت الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد".

خلطة مركبة
ولأن المطروشي مترجم وإعلامي بالإضافة إلى كونه أديباً، يُطرَح السؤال حول كيفية تعاطيه مع هذه "الخلطة المركّبة"، وأثر ذلك على تجربته الشعرية.
"ثمة خلط كبير في الأمر"، يقول المطروشي موضحاً: "الشعر لا علاقة له ببقية الأشياء، ومنها الإعلام والترجمة. هناك ما هو كسبيّ وما هو مكتسب. الكسبيّ هو الذي يتعلمه المرء من المهن الفنية والوظائف وهذا ينطبق على الترجمة والصحافة. وهناك ما هو مكتسَب، أي فطري ووقفي على الشخص الموهوب، الذي يحمل هذه الملكة الربانية في تكوينه، ومنها الشعر إلى جانب بقية الفنون التي تُخلَق فطرية مع الإنسان ولا يمكن الحصول عليها مع التعليم، رغم أن المعرفة والتعلم يسهمان في صقل الموهبة. وبناء على ذلك يمكن للشاعر أن يتعلم الترجمة والصحافة، ولكن لا يمكن للمترجم والصحفي أن يتعلّما الشعر".
وفيما يتعلق به وبتجربته، يؤكد المطروشي: "أنا أتمسك بالشاعر فِيّ، فهو أنا، ولا شيء غير ذلك، رغم أنني أحاول جاهداً أن أخْلص في الترجمة والصحافة، وأحترم المهنتين، وسعيد جداً بما أنجزته في المجالين. ولكن الشعر يبقى هو المعادل الموضوعي للحياة بالنسبة لي، وهو مشروعي الذي لا أتخلّى عنه".