حمود الصوافي: من العبادات والقربات التي يُتقَّرب بها ويُنال بها أعلى الدرجات عندالله سبحانه وتعالى هو بناء المساجد وعمارتها للمساجد مزايا عظيمة وفضائل كثيرة، ولها حقوق ينبغي لكل مسلم معرفتها والاعتناء بها
اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ضمن الخطب القيّمة التي القاها فضيلة الشيخ الجليل/ حمود بن حميد بن حمد الصوافي .. اخترنا لك عزيزي القارئ احدى هذه الخطب والتي هي بعنوان: (المساجد .. فضلها ومنزلتها عند الله تعالى) .. حيث ان الخطبة تعتبر من اهم الوسائل الدعوية التي استخدمها فضيلته في هذه الحياة ..
يستهل فضيلة الشيخ حمود الصوافي في هذه الخطبة قائلاً: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل المساجد بيوتاً للعبادة، ورغّب في عمارتها والاعتناء بها عباده، وجعل ذلك من صفات المؤمنين الآخذين بأسباب السعادة، نحمَدُهُ ونسْتعِينُهُ ونستَهْدِيهِ، ونؤمِنُ بِهِ ونتوكّلُ عليهِ، ونسْتَغفِرُهُ ونتُوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا ومِنْ سيّئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمدُ، يُحيِى ويُمِيتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَموتُ، بِيدِهِ الخيرُ وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشْهدُ أنَّ سيّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسراجاً مُنيراً، أرسلَهُ رحمةً للعالَمينَ، وسراجاً للمُهتدِينَ، وإماماً للمُتقينَ، فبلّغَ الرِّسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصَحَ الأُمَّةَ، وكشَفَ الغُمَّةَ، وجاهدَ في سَبيلِ ربِّهِ حتى أتاهُ اليقينُ (صلى الله عليه وسلم) وعلى آلِهِ وصحْبِهِ، وعلى كُلِّ مَنِ اهْتدى بهدْيهِ، وسارَ على نهجِهِ، واستنَّ بسُنَّتِهِ، ودعا بدعْوتِهِ إلى يومِ الدِّينِ، أمّا بعدُ: فيَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكم ونفْسِي بتقوى اللهِ، والعملِ بما فيهِ رِضاهُ، فاتقوا اللهَ وراقبوهُ، وامتثِلُوا أوامِرَهُ ولا تعصُوهُ، واذكُرُوهُ ولا تنسَوهُ، واشكُرُوهُ ولا تكفُرُوهُ .
وقال فضيلته: واعلموا أن من العبادات التي يُتقرب بها إلى الله عز وجل، ومن القربات التي يُنال بها أعلى الدرجات عند الله سبحانه وتعالى هو بناء المساجد وعمارتها، يقول عز من قائل:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور 36 ـ 38)، ويقول سبحانه:(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة ـ 18)، وجاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي حديث آخر:(من بنى مسجداً لا لرياء أو سمعة ولو كمفحص قطاة بنى الله له أوسع بيت في الجنة)، وجاء أيضاً:(من بنى بيتاً يعبد الله فيه من حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من درّ وياقوت)، وبناء المساجد من الأعمال والحسنات التي تلحق المرء بعد موته، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به).
مؤكداً بأن للمساجد مزايا عظيمة وفضائل كثيرة، وحسبكم أنها بيوت الله في أرضه، وقد أضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه في قوله عز من قائل:(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن ـ 18)، وفي الحديث القدسي:(إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها هم عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، فحق على المزور أن يكرم زائره)، ومعنى كون المساجد بيوت الله أي: معاهد عبادته، ومنازل أداء فرائضه وقرباته، ومحالّ رحماته وبركاته، ومَألُفات عباده الصالحين من الإنس والجنّ والملائكة، وقد ورد:(المساجد سوق من أسواق الآخرة، وأهلها أضياف الله، وقراهم فيها المغفرة وتحفتهم الجنة)، والمساجد بيوت المتقين، ومجالس الكرام، وهي حصن حصين من الشيطان، وقد ورد (أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها)، وكون المساجد أحب البقاع إلى الله لأنها مواضع العبادة، وأساسها على التقوى، وكون الأسواق أبغض البقاع إلى الله لأنها مواضع الفحش والغفلة، والإعراض عن ذكر الله عز وجل.
وقال مخاطباً الحضور: أيها المسلمون .. إن للمساجد حقوقاً ينبغي لكل مسلم معرفتها والاعتناء بها، فمن حق المسجد على أهله: أن يبنوه في أرض مباحة صالحة له، أو يشتروا له أرضاً من مالكها حلالاً من أطيب أموالهم ابتغاء وجه الله عز وجل، ومن حق المسجد: أن يكون في غاية النزاهة والنظافة والطهارة من الأمور التي تتعلق بأحوال الدنيا كالبيع والشراء والإنشاد عن الضوال، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(طهّرت المساجد من ثلاثة: من أن ينشد فيها بالضوال، أو يتخذ فيها طريق، أو يكون فيها سوق)، وقد ورد أن (كل كلام فيه لا بصلاة أو ذكر أو سؤال حق فلغو منهيّ عنه)، ومن حق المسجد: أن يقدم داخله رجله اليمنى قائلاً: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، وعند الخروج منه يقدم رجله اليسرى قائلاً: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك، ومن حق المسجد: أن يحيّا بركعتين قبل الجلوس، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وفي حديث آخر:(إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، ومن حق المسجد: تنويره وعمارته بما بني له من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وتعليم العلم وتعلمه، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم): (من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قيل: يا رسول الله، وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم):(لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم):(أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) ، وجاء عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه دخل المسجد يوماً، فوجد أصحابه عِزين، يتذاكرون فنون العلم، فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرأون القرآن، فجلس إليهم، فقال: بهذا أرسلني ربي، ثم قام إلى الثانية، فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام، فجلس إليهم، ولم يقل شيئاً، ثم قام إلى الثالثة، فوجدهم يذكرون توحيد الله عز وجل ونفي الأشباه والأمثال عنه، فجلس إليهم كثيراً، ثم قال :بهذا أمرني ربي).
وقال: ومن حق المسجد، أن يُتخذ له مؤذن أمين، حافظ للأوقات، محتسب للأجر العظيم والثواب الجزيل الذي أعدّ للمؤذنين، روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (ثلاثة يوم القيامة على كثبان المسك من مسك أسود، لا يهولهم فزع، ولا ينالهم حساب: رجل قرأ ابتغاء وجه الله، فأمّ به قوما وهم به راضون، ورجل أذن سبع سنين في مسجد من مساجد الله، لا يأخذ على أذانه طمعاً، ورجل ابتلاه الله بالرقّ في دار الدنيا ، فأحسن عبادة ربه، وأدى حق مولاه)، وقد ورد:(المؤذن المحتسب كالمتشحط بدمه في سبيل الله، يشهد له كل رطب ويابس يسمع صوته، وإذا مات لم يدوّد في قبره)، (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة ـ 105)،) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة ـ 18)، فيَا عِبادَ اللهِ اتقوا الله تعالى واعلموا أنَّ أصْدقَ الحدِيثِ كِتابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وخيْرَ الهدْي هَدْيُ مُحمّدٍ (صلى الله عليه وسلم)، وشَرَّ الأمُورِ مُحدَثاتُها، وكُلُّ مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكُلُّ بِدعةٍ ضَلالةٌ.
وقال فضيلته: أيُّها المسلِمُونَ .. لقد ورد الحض على ملازمة المسجد، والتردد إليه، والترغيب في ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أحاديث كثيرة، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(بشر المشّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة)، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم):(سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا وتفرقا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله عز وجل)، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم):( ألا أخبركم بما يمحو به الله الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط)، قالها ثلاثاً، وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم):(إن الملائكة ليصلون على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)، فاتقوا الله يا عباد الله (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران 133 ـ 136)، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ((المزمل ـ 20)، (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (البقرة ـ 281)، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور ـ 31).

* المصدر:(موقع القبس الالكتروني لعبدالله العبري)