زيارة الفنان بول كلي إلى تونس (1913-1914)

(1)
يقول السينمائي التونسي ناصر خمير الذي تقمص دور بول كلي في فيلم "رحلة تونس" للمخرج الفرنسي هنري مول خلال الاحتفال بمائة سنة لزيارة بول كلي إلي تونس. "بول كلي من الفنانين القلائل الذين أتوا بلادنا ولم ينظروا لنا كديكور يطعم لوحاتهم أو يستمدوا منه موضوعا أو مادة تثري فنهم، لم ينظر لنا كأشباح أو كعالم بدائي يعرضه في صالونات ومتاحف العواصم الأوروبية، ولأصدقك القول في نظري هو الوحيد الذي لما أتى البلاد فتح روحه على مصراعيها فولج فيه العالم بألوانه وحسه وفكره وحضارته وجعل من وجدانه شرقا حيا إنسانيا، اكتشف بول كلي ينبوعا فنيا حضاريا فنظر إليه بافتتان ونهل منه بغبطة فأجج فيه حركة الخلق فكان له مسلكا فنيا فريدا وطريقة جديدة لوضعه الألوان ورسم التجسيمات".
تلهم الحضارات المزدهرة عبر التاريخ والتي تستند إلى فلسفة جمالية قائمة الذات وصبغة متفردة ورؤية خاصة تعكس أصالة ثقافية وفكرية وجمالية أي مطلع عليها بما هي تحتوي داخلها على منطق فكري متكامل ينعكس في أشكال عديدة مادية ملموسة وأخرى معنوية فكرية، وبالتالي تعكس توافقا كبيرا على مستوى معطياتها الجمالية ماديا ومعنويا. هذا ينسحب على الحضارة الإسلامية وما تتضمنه من جماليات وقيم فكرية مغرقة في فهم كنه الوجود وجوهره. فلطالما تعرض الفن الإسلامي بمختلف تجلياته إلى جملة من القراءات والبحوث والدراسات بهدف توظيفه لخدمة أغراض جمالية متنوعة، سواء كان ذلك من قبل فنانين عرب أو أجانب، لكل باحث في هذا الفضاء الشاسع والمتنوع المسلك الذي انتهجه للاستفادة من هذا الموروث الكبير والمتنوع وعلى كثرة هذه البحوث قليلون جدا من نظروا إلى هذا المجال بعمق وتجاوزوا المظاهر نحو الباطن والروحي و"نحن في عصر تتقدم فيه العلوم وتتعمق اختصاصاتها في حاجة إلى اجتياز مرحلة الملاحظة والاستقراء للوصول إلى إدراك المنطلقات واستنباط القواعد الأساسية التي انطلقت منها تلك الجماليات الإسلامية حيث يصبح الاعتماد على ذلك لتأسيس علم جمال إسلامي. " فمن أهم السمات الجوهرية التي صاغت مظاهر الفن الإسلامي الجمالية هي العناصر المكونة للعمل الفني المادي سواء كان ذلك في التصوير أو المنمنمات أو السجاد والنسيج والخزف والخشب... من ألوان وخطوط ومساحات وخاصة العلاقات التي تحكم بينها والتي لها خلفية هندسية رياضية محكمة تنتج قيما جمالية خاصة قوامها التنوع ، التوازن، التكرار، المركزية، والفراغ والتوحيد وخاصة التجريد كمضمون جمالي وفلسفي معا. كما تعد القيم المذكورة أنظمة مرتبطة بنظام الكون، إضافة إلى علاقة الإنسان المسلم بالطبيعة وكيفية تحويلها إلى معادل فلسفي جمالي كالتعبير عن الكل من خلال الجزء واللانهاية كمدلول فلسفي جمالي" وهنا لابد أن ندرك أن سيميائية الزخرفة الإسلامية ومفارقتها لعالم الطبيعة والإنسان كانت تجري وفق قوانين رياضية وهندسية وهي ناشئة عن مرجعية فلسفية صوفية كسمولوجية، فبالنسبة إلى البعد الهندسي الرياضي، فإننا نجد أن الروح المبدعة في الفن العربي الإسلامي قد أنشأت بناء هندسيا أو نوعا من الفضاء المتناغم حيث يمثل التجريد هذه الخاصية المفارقة ألا وهي الحركة، فلو تأملت العين مليا ذاك الزخرف، فسوف ترى الحلقات (الدوائر) والمضلعات والأقواس المتشابكة وهي ترقص كأحلام ليلة خيالية في حين ترقص النجيمات، الزخارف الزهرية الصغيرة والأشكال الحلزونية التي تحتل معزولة الفراغات ... ". كما تبرز أهمية الفن الإسلامي في أهمية البعد الفكري والفلسفي والنظريات والتصورات التي أسس لها الكثير من كبار العلماء والمفكرين المسلمين أمثال التوحيدي والسهروردي وإبن عربي والفارابي والمتصوفة. حيث "إن الأفكار الجمالية للفلاسفة العرب والمسلمين قد أصبحت معروفة ومشهورة عند فلاسفة القرون الوسطى الأوروبية فقد قالوا إن الجمال كما يقول العرب موجود في الصفات التي تكون الشيء بحيث يصبح هذا الشيء الذي يجب أن يكون، ومن الجدير بالذكر أن الحضارة العربية الإسلامية المتطورة أثرت تأثيرا كبيرا على عملية التكوين الروحي عند الشعوب الأوروبية وقد تركت هذه الحضارة أثرها البعيد على النظريات الناشئة في علم الجمال الغربي." وتبقى الفلسفة الجمالية للنور في الفن الإسلامي من أهم وأعمق السمات المميزة له. من هنا نفهم أن الفن الإسلامي يتجاوز الصورة النمطية الكلاسيكية التي نقلها الكثير من المستشرقين للعالم سواء كانوا مؤرخين أو تشكيليين صورة تقدم نموذج الفن الإسلامي على انه فن بدائي ملون ومزخرف أهدافه تزويقية زخرفية لا غير.
من أهم التجارب التي تجاوزت هذه النظرة السطحية للثقافة العربية الإسلامية واستفادت من لب وعمق مبادئ وأسس الفن الإسلامي هي تجربة الفنان بول كلي والتي تبلورت بعد زيارته لتونس (1913-1914) هو من أم سويسرية وأب ألماني ولد سنة 1879 في قرية مونش قريبة من مدينة برن في سويسرا وتوفي سنة 1940. والمتعارف عليه أن بول كلي جاء إلى تونس بعد أن تعرف على لوحات هنري ماتيس، وكاندنسكي ومرجعياتها الشرقية، هذه التجارب شجعته لخوض غمار هذه التجربة التي مثلت نقطة تحول جذرية في حياته الفنية فقد أثرت الثقافة العربية الإسلامية بعمق في نفس هذا الفنان بمختلف تغيراتها وألوانها، معمارها وخاصة ضيائها.
من أبرز اكتشافات بولي كلي في تونس هو اكتشافه الضوء وتأثيراته على اللون فبنى من خلالهما منطقه التشكيلي كأساسيات إلى جانب اكتشافه نقاء الأشكال. تواجد بول كلي في تونس مدة معينة حوالي 10 أيام صحبة صديقين له ماكا وموالييه تمكن من خلال هذه المدة زيارة العاصمة والحمامات والقيروان. حيث تفاعل بشكل ايجابي وسريع مع الموروث الحضاري للمكان فقد أرسى من خلال هذه الزيارة رؤية عميقة وجديدة لإدراك المشهد الطبيعي والعمراني من خلال حسن التمعن والإدراك. فما يهم الفنان بول كلي من هذه المشاهدة ليس نقل الواقع والمشاهد اليومية بل هو إدراك العلاقات القائمة بين الفضاء والضوء والبيئة بالاعتماد على الخيال والإبداع العقلي. فبول كلي من خلال زيارته عديد الأماكن في تونس والقيروان والحمامات كان يتفاعل ويرسم مائياته لإيجاد تلك الرؤية التي تمكنه من التفاعل والتحليل ثم الإدراك. حيث يلاحظ المتأمل جيدا لأعمال الفنان بول كلي المنجزة في تونس وبعد تلك الفترة التغير الجذري في أسلوب رسم الفنان الذي تحرر كليا من قوانين الرسم الكلاسيكية التي اعتادها حيث كان يستعمل اللون بنوع من التحفظ فيتمثل أغلب إهتمامه على درجة اللون وتغيره أكثر من اهتمامه بالتأثير النفسي للألوان، حيث يقول مؤرخ الفن ميخائيل باومغارتنر "اهتم بول كي في مطلع حياته الفنية بظلال الألوان ودرجاتها، مثل الأحمر والبني والأخضر والتي كانت إلى حد كبير تميل إلى الدرجات الفاتحة والهادئة". بعد زيارته إلى تونس شهدت أعماله نقلة نوعية حيث بدأ باستعمال الألوان الصارخة، ويهتم بنوع من التباين فيما بينها والاستفادة من درجات توضيح الظلال ويبرز هذا مثلا في لوحته "بيوت حمراء وصفراء في تونس" حيث نرى بناء قائما على مثلثات ومربعات ومستطيلات يتميز ببساطة في التكوينات المعمارية التصويرية حيث يضفي على تلك المائيات اللون الأحمر والأصفر والأزرق والنور الشمسي الأصفر، مما يعطي تضاد الأحمر والأزرق كقيمة اكبر حيث يقول فيكتور هيجو "فإن حلم الشرق العربي سيظل استذكارا للحضارة العربية الإسلامية المجيدة والتي لازالت تترك في القلب جراحات الحنين" أما الناس والأشجار فجسدت بشكل تجريدي ... حيث يقول النقاد عن هذه الفترة بأنها المرة الأولى التي يكتشف فيها عالما من الألوان ليس فيها مساحة رمادية. لأن سفرته إلى تونس مكّنته من اكتشاف أهمية ومضمون الضوء والقوة الروحية والمعنوية للألوان حيث تغيرت من خلال هذا الاكتشاف مسيرته الفنية. فكان يستخدم في بداية اكتشافه للنور في تونس المائيات وعندما عاد انتهج طريق ديلوني وابتكر شخصيته الفنية الخاصة. وعلاقته الجديدة بالألوان. سفرته إلى تونس أحدثت تطورا في تقنياته مع الألوان الزيتية فأصبحت أعماله أكثر تجريدية وخطوطه أكثر حرية وأسماء لوحاته عكست انطباعات شخصية ونتيجة ممارسات عملية حيث يقول باو مغارتنر "لقد استطاع كلي أن يجعل نظرية ديلونوي حول الضوء والألوان تتكيف مع نظرته إليها، وطوّرها إلى نوع من الرسم الشعري، في الوقت نفسه قام بإجراء بعض التجارب لتعميق نظرية تجاوب الألوان فيما بينها الباردة مع الدافئة أو تلك المتباينة والمنسجمة" لقد أجمع جميع النقاد ومؤرخي الفن على أن رحلة بول كلي إلى تونس كانت المنعرج الذي أرسى تجربته على الطريق الصحيح لوضع الخطوط العريضة لنظريته حول قوة الألوان وتأثيرها والتي كانت قبل قدومه إلى تونس ظاهرة نظرية اتخذت فيما بعد البعد الروحي والذي كان السرّ الجوهري لتجربة هذا الفنان فالتعامل مع اللون والضوء بالمشاعر والأحاسيس ووضع نمط لاستخدامها تركت إرثا من الأبحاث الفنية ساهم في تقييم نظرياته المختلفة. وبالنسبة لهندسة الأشكال فقد أصبح يجرد من خلال الرسم بالألوان حيث يكتب في يومياته "إن شعوراً بالارتياح يتغلغل عميقا في داخلي، أشعر بالثقة، ولا أعاني من التعب، فاللون يمتلكني، ولم اعد بحاجة للإمساك به بل انه يمتلكني والى الأبد، أشعر بذلك. هذا هو إحساس هذه الساعة السعيدة، أنا واللون واحد، أشعر بأني مصور".
اكتشف انه رسام بعد أن اكتشف النور كأساس بنى من خلاله جل اعماله اللاحقة بما هو عنصر جمالي أولي من عناصر التشكيل في الفن الإسلامي وهو أيضا أحد العناصر الحسية داخل النسيج المتكامل للعمل الفني كما استخدم النور في الفن الإسلامي كظاهرة بيئية طبيعية لإقامة ذلك التوازن بين العمارة والطبيعة.
النور لا يصور الواقع أو يعكسه لكنه ينبعث من العمل الفني في جميع أرجاء المكان بشكل متسق ومتوازن وشامل وإيقاعي في نفس الوقت وهذا ما فطن إليه بول كلي ومن خلاله عرف المدخل السري لجماليات الفن الإسلامي. الذي أبدع فيما بعد من خلاله ابرز روائعه الفنية والتي تقدم إلى يومنا هذا المثال في حسن استغلال جوهر الفن الإسلامي.

دلال صماري
ناقدة وفنانة تشكيلية تونسية