عاد التجار الهنود إلى مسقط بعد تولى السلطان تركي بن سعيد الحكم في البلاد عام 1871م35 ، وحرص السلطان تركي على توفير الحماية للتجار الهنود مما شجعهم على ممارسة نشاطهم التجاري، الذي ازدهر في عهد السلطان فيصل بن تركي بعد توقيعه في عام 1891م على اتفاقية الصداقة والتجارة مع بريطانيا، تضمنت العديد من البنود التي كانت في مصلحة الرعايا الهنود المشمولين بالحماية البريطانية، حيث أتاحت لهم التمتع بنفس الامتيازات الممنوحة للرعايا البريطانيين في مسقط، كما منحتهم حرية امتلاك الأراضي والعقارات فامتلكوا معظم العقارات في مسقط ومطرح، وسمح لهم بحرية ممارسة شعائرهم الدينية في جو يسوده الأمن والسلام واحترام حقوق التجار الهنود36، مما جعلهم يضطلعون بتدويل تجارة مسقط التي امتدت إلى ما وراء حدود حوض المحيط الهندي، حيث صدروا البضائع العمانية إلى الأسواق العالمية واستوردوا بضائع تلك البلدان إلى عمان 37، وتزايد وجود التجار الهنود في عمان حيث وصل عددهم في عام 1900م إلى ما يقارب الألف نسمة في مسقط ومطرح فقط، إضافة إلى انتشارهم في مناطق ساحل الباطنة وصور ومرباط التي وجد فيها بعض الهنود العاملين بتجارة البخور 38.وبرز العديد من التجار الهنود في مسقط في القرن العشرين، مثل : راتنسي برشوتم Ratansi Purshottam الذي أدار جمارك مسقط لسنوات عديدة، وأسس شركة تاجرت في مجموعة متنوعة من البضائع مثل القمح والقهوة والأقمشة والتمور التي صدرتها إلى الولايات المتحدة الأميركية عن طريق شركة نيويورك أوف ويليام هيلز New York firm of William Hills ، واشترى معظم الأراضي الواقعة على ساحل مسقط، وباع لحكومة الهند البريطانية إحدى هذه الأراضي في عام 1901م بخمسين ألف روبية، أقيم عليها بيت لطبيب الوكالة البريطانية في مسقط ومساكن لكتبة الوكالة وموظفي التلغراف 39.إضافة إلى التاجر جوسان براهمان Gosain Brahman الذي امتلك العديد من المحلات التجارية في مسقط، وفيرجي راتنسي Virji Ratansi أحد أهم المصرفيين، ودمودار درامسي Damodar Dharamsi الذي قام بتسيير أمور الضرائب في بعض الأحيان، وكيمجي رامداس Khimji Ramdas وجوبالجي والجي Gopalji Walji وغيرهم 40.استوطن مسقط إضافة إلى التجار البانيان العديد من التجار المسلمين ذوي الأصول الهندية (الخوجا)، الذين احتكروا تجارة السمك المجفف ومارسوا العديد من الصناعات التي تحتاج إلى خبرة ومهارة عالية مثل النجارة وبناء السفن41، وكان أبرز التجار الخوجا بمسقط الحاج محمد فاضل الذي امتلك في عام 1906م شركة دبليو جي تاول W.J.Towell التي تأسست عام 1866م ، وأسهمت في تصدير المنتجات الزراعية إلى البلدان المختلفة وخاصة التمور العمانية التي يتم تصديرها إلى الهند والولايات المتحدة الأميركية، حتى أصبحت أهم منتج تصدره عمان للخارج ومصدرا للعملة الأجنبية42 .استقر السلطان تيمور بن فيصل في الهند بعد تنازله عن العرش لإبنه السلطان سعيد بن تيمور عام 1932م، وواصلت العلاقات العمانية الهندية ازدهارها بعد استقلال الهند عن بريطانيا بتاريخ 15 من أغسطس 1947م، في كافة المجالات وانتشرت الروبية الهندية التي سكت خصيصا للتعامل بها في الخليج، على نطاق واسع في مناطق عمان في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، ووقعت عمان اتفاقية صداقة وملاحة وتجارة مع الهند عام 1953م تضمنت العديد من مجالات التعاون السياسي والعسكري، ونتج عنها إنشاء قنصلية هندية في مسقط عام 1956م كان لها دورها الملموس في تعزيز أواصر التواصل الحضاري بين عمان والهند في مختلف المجالات.ترسخت العلاقات العمانية الهندية بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحكم في عمان وذلك بفضل سياسة الانفتاح على العالم الخارجي التي اتبعتها السياسة الخارجية لسلطنة عمان، مما أدى إلى توقيع العديد من اتفاقيات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، ووجود العديد من القوى البشرية الهندية في عمان والتي أسهمت بشكل فعال في مسيرة التنمية العمانية وكان لها تأثيرها على ثقافة الجانبين، إضافة إلى قيام العديد من المشاريع الاستثمارية المشتركة بين البلدين، مثل : الشركة العمانية الهندية للسماد، وإنشاء صندوق استثماري مشترك بين البلدين بمبلغ مائة مليون دولار أميركي يشارك فيه صندوق الاحتياطي العام للدولة ممثلا عن سلطنة عمان و State Bank of India ممثلا عن الحكومة الهندية، وغيرها من مظاهر التعاون التجاري والثقافي والاجتماعي بين الطرفين، وأعلنت حكومة الهند بتاريخ 18 يناير 2007م منح السلطان قابوس بن سعيد المعظم سلطان عمان وسام جواهر لال نهرو للتفاهم الدولي، وذلك تقديرا لدور جلالته في تعزيز أواصر الصداقة والمودة بين الشعوب، ومازالت العلاقات بين عمان والهند تواصل طريقها نحو التطور والاستمرارية، كما تشير إلى ذلك الأغنية الهندية التي عزفت أثناء حفل الاستقبال الذي أقامه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم على شرف الرئيس الهندي الأسبق الدكتور شنكر ديال شرما عام 1996م : " يه دوستي هم نهي جهورين غي " ومعناها " لن نترك هذه الصداقة أبدا ".نماذج من التواصل الحضاري العماني مع الهند :أولا : التواصل الحضاري العماني مع الهند في مجال اللغة والأدب:نتج عن العلاقات التجارية التي ربطت بين عمان والهند منذ عصور ضاربة بقدمها في أعماق التاريخ، والدور الذي أسهم به العمانيون في حركة الفتوحات الإسلامية ونشر الإسلام بين أوساط الهنود، انتشار اللغة العربية لغة القرآن الكريم في تلك الأنحاء، إضافة إلى تمسك الفاتحين بلغتهم العربية، فمثلا نجد في بلاد الملتان سيادة اللغة العربية بفضل تمسك بني سامة بن لؤي العمانيين بها حتى أصبحت اللغة الرسمية في الدولة واللغة السائدة بين أوساط الشعب إضافة إلى اللغة السندية، حيث يذكر الإصطخري بأن : (أهل الملتان أكثرهم من العرب المسلمين، والأقلية من الكفار يتحدثون بالعربية إلى جانب لغتهم المحلية) 43 .اقتبست اللهجة العمانية الكثير من مفردات اللغات الهندية منذ عصور تاريخية مبكرة، وذلك بفضل حركة التبادل التجاري ودخول العديد من البضائع التي لم تكن معروفة مسبقا في الأسواق حيث أن معظم تلك المفردات تدل على شيء لم يكن ليعرف لولا الإتجار به، إضافة إلى العديد من المصطلحات المتعلقة بالملاحة البحرية والمعاملات التجارية ــ وذلك بحكم أن العلاقات بين الجانبين بدأت عن طريق التبادل التجاري والملاحي ــ، فنجد معظم المسميات التي أطلقت على وسائل النقل البحري في عمان ذات أصول هندية مثل : البارجة والهوري، وكذلك الحال بالنسبة للمسميات المتعلقة بالمقاييس والمكاييل مثل :المن والقيراط، وصولا إلى المواد الغذائية التي جلبها العمانيون من الهند وأصبحت جزءا أساسيا في المطبخ العماني، وأطلقوا عليها نفس مسماها الهندي، ثم استخدمت تلك المفردات في اللغة العربية الفصحى بعد تحوير للإسم الهندي مثل: كلمة الكافور المعربة عن الكلمة الهندية (كبور)، والزنجيل المعربة عن الكلمة الهندية (زنجبيرا)، والقرنفل المعرب عن الكلمة الهندية (كرن بهول) 44وغيرها من المفردات .واشترك العمانيون والهنود في إطلاق نفس المسميات على أدوات الحياة العصرية، مثل : (البنكة) أي المروحة، و(التاوة) إناء قلي الطعام و(الكفشة) أي الملعقة، وغيرها من الكلمات المشتركة ذات الأصول الهندية، والتي لا يتسع المجال لحصرها وتستحق دراسة مستقلة تتناول التأثير المتبادل بين اللغة الأوردية واللهجة العمانية الدارجة.إضافة إلى ذلك نجد التقارب الواضح بين اللغة الأوردية واللغة البلوشية التي يتحدث بها أفراد القبائل العمانية المنتمية إلى العرقية البلوشية، كما يستخدمها العديد من العمانيين الذين ربطتهم علاقات مع البلوش وخاصة في المناطق الساحلية من عمان مثل : محافظة مسقط ومحافظات شمال وجنوب الباطنة ومحافظة جنوب الشرقية، لدرجة أن من يتحدث البلوشية يستطيع التواصل بسهولة مع المتحدثين باللغة الأوردية للتقارب والتجانس الكبير بين اللغتين.يتضح كذلك التمازج الحضاري بين عمان والهند في مجال الأدب، حيث نجد الكثير من القصص والحكايات العمانية التي حفظها التراث الشعبي، تتحدث عن حكايات الرحلات التجارية إلى بلاد الهند أو ما عرف بسوالف البحر، وماتخللها من مغامرات وأساطير تنتهي بحكمة أو عظة أخلاقية تتمثل غالبا في إنتصار الخير على الشر، مثأثرة في ذلك بالقصص المتداولة في الأدب والفلكلور الشعبي الهندي، إضافة إلى وجود قاسم مشترك بين الأدب العماني والأدب الهندي فيما يتعلق بالمس الشيطاني وحكايات السحر جاءت نتيجة للاحتكاك الثقافي بين الطرفين45.ثانيا : التواصل الحضاري العماني مع الهند في مجال التعليم :تعتبر بلاد الهند مركز إشعاع ثقافي وحضاري استفاد منه العمانيون في مجال تزودهم بالثقافة والعلوم، حيث حرص التجار العمانيون في رحلاتهم التجارية للهند على حضور الملتقيات الثقافية التي يشارك بها العديد من المثقفين الهنود والعرب المقيمين بالهند، وحرص الموسرون من أهل عمان على إرسال أبنائهم لتلقي التعليم في بلاد الهند، وذلك نظرا لعدم توفر التعليم الحديث في عمان قبل عام 1970م، ومن أهم المدارس التي تلقى بها العمانيون دراستهم في الهند: المدرسة العربية في بومباي والتي تأسست عام 1931م ليتلقى بها أبناء الجالية العربية المقيمة في بومباي العلوم الدينية واللغة العربية والرياضيات، واستمرت هذه المدرسة تمارس دورها مدة عشر سنوات إلى أن أغلقت عام 1941م، كما تلقى الطلبة العمانيون المقيمون في بومباي تعليمهم في المدرسة التي أسستها حكومة الكويت في بومباي لتعليم أبناء الجالية العربية المقيمة بها، إضافة إلى المدرسة العربية بكراتشي46 .وفي مجال التعليم العالي فقد التحق عدد من الطلبة العمانيين بمؤسسات التعليم العالي الهندية مثل : جامعة عليكرة الإسلامية التي تأسست عام 1875، وكلية مايو بأجمير التي درس بها السلطان سعيد بن تيمور، وأرسلت سلطنة عمان اعتبارا من عام 1970م العديد من الطلبة العمانيين في بعثات دراسية إلى جمهورية الهند لتلقي الدراسة بجامعاتها المتعددة والمشهورة بتخصصاتها المتنوعة.أما بالنسبة لأبناء الجالية الهندية المقيمة في عمان، فقد تلقوا تعليمهم في مدرسة البنين التي أسستها الإرسالية الأميركية في مسقط عام 1896م، وتأثر الهنود المسلمون (الخوجا) المقيمون في مسقط بالعمانيين في إنشاء الكتاتيب المخصصة لتلقين الأطفال مبادىء القرآن الكريم 47 .ثالثا : التواصل الحضاري العماني مع الهند في المجالات العسكرية :تأثر العرب عند غزوهم لثغر الهند ببعض أساليبهم العسكرية، فمثلا نجد المهلب بن أبي صفرة يحذف خيله ــ أي يحلق ذيلها ــ عند محاربته للقيقان، متأثرا بما شاهده عند المحاربين الهنود الذين كانوا يحذفون خيولهم لجعلها أكثر خفة وأشد مناورة، وشاع هذا الأسلوب في خيول المسلمين في حروبهم الجهادية الأخرى، ويرجع الفضل في ذلك إلى الأثر الهندي 48 .وبالمثل فقد تأثر الهنود بتنظيمات الجيوش العربية، فنجد الجيش في بلاد الملتان على سبيل المثال يتكون من نفس التنظيمات الموجودة في الجيوش العربية الإسلامية، من فرق المشاة والفرسان، وأضيفت إليه فرقة الأفيال التي كانت تتقدم الجيش وتعد أقوى فرقة فيه، تليها فرقة المشاة المسلحين بالسيوف والرماح والدروع، وفي الوسط فرقة يقودها الأمير أو نائبه راكبا على فيل أبيض ضخم 49، ويتضح لنا من خلال ذلك مدى التمازج الحضاري بين عمان والهند فيما يتعلق بالمجال العسكري بما يخدم المصلحة المشتركة بين الطرفين.وفي العصر الحديث أرسلت حكومة الهند البريطانية عام 1915م قوة عسكرية قوامها سبعمائة جندي لمساعدة السلطان تيمور بن فيصل في الوقوف ضد ثورة الإمامة ــ التي قامت في عام 1913م ـ وتمكنت تلك القوات من الإنتصار على قوات الإمامة50، كما اعتمد السلطان تيمور بن فيصل على العنصر الهندي سواء كانوا ضباطا أو جنودا عندما تأسست أول قوة عسكرية نظامية في عمان عام 1921، وتدرج الهنود في تولي المناصب العليا في تلك القوة العسكرية حتى وصلوا إلى منصب القيادة حيث تولى الملازم الهندي فتح خان قيادة القوة العسكرية العمانية في الفترة من 1932 ــ 1934م، وتولى الضابط الهندي محمد بركات الله مهمة الإشراف على الشؤون المالية في القوة العسكرية العمانية، إضافة إلى اضطلاع الهنود بتقديم الرعاية الصحية لأفراد القوة العسكرية حيث عملوا كأطباء وممرضين، ومن أبرز الأطباء الهنود الذين تولوا تلك المهمة الطبيب تقي الذي قدم من بومباي عام 1925م، والطبيب قرشي الذي تولى تلك المهمة اعتبارا من عام 1954م 51.رابعا : التواصل الحضاري العماني مع الهند في المجال الإقتصادي:نقل التجار العمانيون عند عودتهم من الهند بعض الأشجار التي زرعت لأول مرة في عمان مثل : شجرة النارنج والسفرجل، واللتين بدأت زراعتهما في عمان في أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، ثم انتقلت زراعتها بعد ذلك من عمان إلى البصرة والعراق ومنها إلى بلاد الشام52، إضافة إلى شجرة الليمون وشجرة جوز الهند (النارجيل) المنتشرة في محافظة ظفار، وحرص البانيان على جلب شجرة الريحان إلى عمان وذلك لارتباطها ببعض طقوسهم الدينية 53.استوردت عمان بعض الحيوانات من بلاد الهند مثل : القرود والفيلة التي استخدمت في نقل الأثقال والتنقل من مكان إلى آخر، حيث تشير المصادر إلى هدايا حاكم عمان التي بعث إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله والتي هي عبارة عن قرود موضوعة في سلال ضخمة جلبت من جزيرة الزابج في بلاد الهند54، كما بعث والي عمان إلى معز الدولة البويهي عام 329هـ/940م فيلا ضخما نقل إلى البصرة ومنها إلى بغداد 55 .انتشرت العديد من الصناعات الهندية في عمان مثل صناعة الخيزران الهندي والرماح، وصناعة العطور بمختلف أنواعها، وصناعة الغزل والنسيج والصناعات الخشبية، وتبرز تلك الصناعات بصورة جلية للتأثيرات الحضارية المتبادلة بين عمان والهند في مجال الصناعات الحرفية، حيث أنها تتشابه تشابها ملحوظا فيما يتعلق بالمواد المستخدمة في التصنيع وأدوات الصناعة وخاصة في الصناعات الخشبية الفضية56، التي تزدان أغلبها بنقوش ورسومات تعتبر مزيجا من التراث الهندي والتراث العماني الإسلامي، ونجد هذ التأثر قائما منذ أقدم العصور حيث كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود تشابه واضح بين الفخاريات الحمراء المكتشفة في سمد الشأن وتلك المكتشفة في ميناء أريكاميدو Arikamedu الهندي57 .كما نجد التأثير المتبادل بين الجانبين العماني والهندي فيما يتعلق بمجال الصناعات الحرفية في صناعة السفن، حيث كان يتم استخدام خيوط ليف النارجيل بدلا من المسامير في السفن العمانية والهندية، كما توحدت طرق صناعة السفن بإستعمال مادة موحدة وهي خشب الساج الذي كان يجلب من بلاد الهند 58 .كان للتجار الهنود فضل السبق في إنشاء المؤسسات التجارية في عمان وفقا للمفاهيم الإقتصادية الحديثة، وخير دليل على ذلك شركة دبليو جي تاول التي تأسست عام 1866م، وتعتبر من أوائل المؤسسات التجارية التي قامت في منطقة الخليج العربي، وإليها يعود الفضل في تسويق المنتجات العمانية مثل : التمور والليمون والأسماك، إلى العديد من الأسواق العالمية في الهند والصين والولايات المتحدة الأميركية 59.تعتبر الروبية الهندية هي العملة التي كانت سائدة في عمان في العصور الحديثة، وخاصة العملة التي عرفت بإسم الروبية الخليجية التي أصدرها البنك الإحتياطي الهندي عام 1959م بغرض الإستعمال في منطقة الخليج العربي، وظلت هذه العملة مستخدمة في عمان حتى عام 1970م60، وهذا مانجده في الإحصائيات والتقارير والوثائق الخاصة بالمعاملات التجارية حيث العملة المستخدمة الروبية الهندية، ونجد لذلك أيضا توثيقا في الفلكلور الشعبي العماني ـــ مما يبين لنا انتشار استخدام الروبية الهندية على المستويين الرسمي والشعبي وفي جميع مناطق السلطنة، مثال ذلك مايردده البحارة العمانيون وخاصة أهالي صور وهم يرفعون أشرعة سفنهم استعدادا لبدء رحلاتهم التجارية على أنغام فن الشوباني :ود سلامه يتمشى والعمامة صوريه راس ماله عانى من ثلاثمية روبيةخامسا : التواصل الحضاري العماني مع الهند في مجال العمارة :أسهمت الجالية العمانية في تحقيق نهضة عمرانية شملت ظهور مدن جديدة وتعمير مدن أخرى في بلاد الهند على الطراز الإسلامي، مثل مدينة المنصورة التي يصف المقدسي جامعها بأنه بني من حجر وآجر كبير مثل جامع عمان 61، مما يدل على تأثر الفن المعاري الخاص ببناء المساجد في بلاد الهند بما هو موجود بعمان بصورة استرعت انتباه المقدسي، كما يذكر إبن بطوطة في سياق حديثه عن مدينة فاندريا بأنه كان يوجد بها ثلاثة مساجد وجامع اتصف بدقة هندسة البناء وروعة المنظر، وكان خطيب الجامع من اهل عمان، وكان يقيم معه أيضا شيخ عماني فاضل كما يصفه إبن بطوطة، يقوم بمهمة التدريس في هذا الجامع62 .اهتم الهنود بفنون العمارة الإسلامية وسعوا إلى تطويرها وخاصة فيما يتعلق ببتزيين وعمارة المساجد كما وضح ذلك في الفن المعماري المغولي، والذي جاء نتيجة لتأثر الهنود بالحضارة العربية الإسلامية بعد دخولهم في الإسلام بفضل الفاتحين والتجار العمانيين، وخير دليل على ذلك المبنى المسمى (الباين الأعظم) الذي بناه ملك المليبار في كوئيل بجنوب الهند والذي يعتبر نموذجا شاهدا على التأثر والإمتزاج بين الطرازين المعماريين الهندي والإسلامي63 . ولقد نقل العمانيون هذا التفوق الذي شهدته العمارة الإسلامية في بلاد الهند إلى عمان واستخدموها في تزيين قلاعهم ومساجدهم خاصة ما يتعلق بالنقوش المستخدمة لتزيين الأسقف، ويتضح ذلك جليا في أسقف حصن جبرين التي تعتبر شاهدا على التأثير الهندي في فنون العمارة العمانية بما يزينه من أقواس ورسومات على شكل مزهريات وورود.استخدم العمانيون الأخشاب الهندية لبناء منازلهم مثلهم في ذلك مثل معظم بيوت الخليج قبل ظهور النفط، وخاصة خشب الأبنوس والخيزران التي استخدمت في بناء منازل التجار والأثرياء64، وتأثروا في تأثيث وتزيين بيوتهم بما شاهدوه في الهند حيث جلبوا الأعمدة الخشبية العالية المزخرفة لتقام في بهو المنازل، وزينوا جدران منازلهم بالمرايا (المناظر) التي كانت تجلب من الهند بأشكال هندسية مختلفة، كما جلب المصباح الزيتي (الفنر) الذي استخدم كأداة إضاءة للمنازل قبل وصول الكهرباء من الهند، وكذلك الحال بالنسبة للأسرة والدوايب والصناديق التي جلبت من الهند65 واستخدمت بنفس أسمائها الهندية، وأصبحت تلك الأسماء شائعة في اللهجة العمانية الدارجة مثل : السحاره (الدولاب الحديدي) والمندوس (الدولاب الخشبي).* ورقة ألقيت في ندوة "الدور العماني في شرق آسيا والهند" في النادي الثقافي سبتمبر الماضي.** المصادر والمراجع والهوامش في الجزء الثالث من الدراسة إسماعيل بن أحمد الزدجالي