العمل من غير مهارة وكفاءة تناسب العمل المتفق عليه يعتبر من الغش المنهي عنه يؤمر العامل أن يتقن عمله بأفضل طريقة يتمكن منها، لا يفرق بين عمله الخاص ووظيفته التي كلف بها يدخل في موضوع الأمانة المحافظة على أدوات العمل، فهو أمين فيما يقع تحت تصرفه من أدوات وآلات متعلقة بالعمل
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(نظرية العمل في المذاهب الإسلامية) للدكتور صالح بن سعيد بن هلال الحوسني.
يتحدث الباحث من خلال ورقة عمله عن المطلب الأول وهو (العامل)، فيقول: تعريفه: لغة هو من يعمل في مهنة أو صنعة، والذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله وجمعه عمال، والعاملة: ما تستعمل في الحرث والدياسة، والسقي من البقر والإبل منه وجمعه عوامل، واصطلاحاً: لم يفرق الفقه الإسلامي بين أصحاب الحرف والأعمال اليدوية، والأعمال العقلية من حيث إطلاق كلمة عامل على كل منهم، ولكن قسموا الأجير إلى قسمين: أجير خاص يعمل عند صاحب العمل وحده بحيث لا يستطيع أن يعمل عند غيره، وهو يسحق الأجرة في المدة وإن لم يعمل، كالسائق يستأجر بالشهر لقيادة السيارة، وكالعامل في البيت، وكالموظف في دائرة بمرتب شهري، والنوع الآخر الأجير المشترك: وهو من يتقبل العمل من عند غير واحد، وقيل هو من يستحق الأجرة حتى يعمل، وهو يستقبل العمل من أشخاص مختلفين كمثل المحامي، والطبيب، والمهندس ونحوهم، وقد يتحول الأجير من فرد إلى مشترك وبالعكس، فالصانع الذي أخذه صاحب اليت ليصنع شيئاً ما داخل منزله (كالمنجد) هو أجير وحده، أما وقد سلمه المواد الخام كالقطن والقماش في حانوته تحول إلى أجير مشترك.
وأضاف: إن القانون العماني يعرّف العامل بأنه كل شخص طبيعي، يعمل لقاء أجر لدى صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه. فنلحظ أن القانون يصرف تعريف العامل الى ما عناه الفقهاء بالأجير الخاص وهو من يعمل لدى صاحب العمل نظير أجر وأيضاً هو تحت إدارته واشرافه.
وحول صفات العامل وواجباته يقول الباحث: والعامل والذي يعتبر الأساس في العمل لا بد له من صفات يتحلى بها، وواجبات يؤديها ومن أهمها:الكفاءة والمهارة المناسبة للعمل: فلا بد لمن تولى أي عمل كان أن يتحلى بالمهارة الكافية التي تؤهله أن يؤدي العمل الذي كلف به، وتم العقد عليه، ونجد عنصر الكفاءة بارزاً في كتاب الله تعالى على لسان سيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ عندما قال لملك مصر (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، فقد وصف نفسه بالحفظ والعلم، وكذا ما جاء على لسان بنت شعيب عندما وصفت سيدنا موسى بقولها:(يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وهي تعني كفاءته وجدارته للمهنة التي سيكلف بها، بل جاء النهي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من وضع العمل في غير أهله وعده من علامات الساعة عندما قال:(إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، والعمل من غير قدرة ومعرفة خيانة مذمومة نهى الله عنها في قوله:(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون).
مؤكداً بأن العمل من غير مهارة وكفاءة تناسب العمل المتفق عليه يعتبر من الغش المنهي عنه، فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام:(من غشنا فليس منا)، وكذا تعيين غير المؤهل أو إن كان يوجد من هو أنسب من الذي تم تعيينه يعتبر أيضاً من الغش والمحاباة المحرمة كما جاء في حديث النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في قوله:(من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمّر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم)، فمما تقدم نجد أنه لا بد لمن تولى عملاً أو وظيفة أن يكون ملماً بما تحتاجه تلك الوظيفة من مؤهلات علمية ومهنية، وخبرات مناسبة تجعل من أداءه للعمل بطريقة صحيحة لا أخطاء فيها.
وقال عن تعريف الأمانة بأنها خلق يعف به الإنسان عما ليس له به حق، ويؤدي ما عليه من الحقوق، ومن أمانة العامل أن يتعفف عن الأموال التي لا تحل له، وأن يؤدي ما عليه من حقوق تجاه الخلق والناس أجمعين.
مشيراً بقوله الى ان الأمانة خلق عظيم كبير ناءت به السموات والأرض كما قال تعالى:(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، ويقصد بالأمانة هنا التكاليف الشرعية، وقد اهتم الإسلام بترسيخ خلق الأمانة في كل أفراده بتربية ملكة مراقبة الله تعالى في كل وقت وحين، حتى تصبح صفة متأصلة في الإنسان، قال (صلى الله عليه وسلم): (لا إيمان لمن لا أمانة له)، ويدخل في موضوع الأمانة المحافظة على أدوات العمل، فهو أمين فيما يقع تحت تصرفه من أدوات وآلات متعلقة بالعمل، قال تعالى:(والذين هم لأماناتهم وعدهم راعون)، ويمكن أن يدخل فيه كذلك خاصة في هذا العصر موضوع المحافظة على أسرار العمل، فقد يكون في جهة العمل ما يستدعي عدم كشف بعض أحوال العمل للآخرين، لأن نقل هذه الأسرار قد يعرض صاحب العمل للخسارة، والكساد، فمن هنا يؤمر العامل بحفظ ذلك وعدم نقله لأي جهة أخرى، كما قال (صلى الله عليه وسلم):(.. ومن أفشى سر أخيه أفشى الله سره على رؤوس الخلائق)، وتقتضي الأمانة كذلك عدم أخذ شيء زائد عما تم الاتفاق عليه في الأجرة بين العامل وصاحب العمل، قال (صلى الله عليه وسلم):(كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه).
اما حول إتقان العمل فقال الباحث: ويؤمر العامل أن يتقن عمله بأفضل طريقة يتمكن منها، لا يفرق بين عمله الخاص ووظيفته التي كلف بها، فهو حريص على الإتقان منطلق في ذلك من مبدأ الإسلام الداعي إلى الإتقان كما قال ـ عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)، والعامل راع في مال سيده مسؤول عن رعيته كما قال ـ عليه الصلاة والسلام:(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته..)، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ أيضاً:(الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين).
اما عن التواضع وحسن المعاملة فأوضح الباحث بأن هذه من صفات الأنبياء الذين يتواضعون للخلق والخالق، فلا تكبر في حديث، ولاتكبر بفعل ونحوه، وقبول للحق ممن جاء به، يلين الجانب لإخوانه وأصحابه ومعاونيه في العمل، يعمل بروح الفريق الواحد، لا يهمه ظهر إنجاز العمل على يديه أو عن طريق غيره، فالمهم هو انجاز العمل وفق ما يستحقه من الجهد، وهي صفة عظيمة في النفس البشرية كان عليها سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) فقد كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وكان يقوم على خدمة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، والوفاء بما تم الاتفاق عليه في عقد العمل: وذلك لقوله تعالى:(يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(المسلمون على شروطهم)، فما تم الاتفاق عليه بين طرفي العقد يجب الوفاء به من غير تقصير واخلال بشيء منه، بكل تفاصليه، فلا إهمال لشيء منها، أو تغيير عما تم رسمه في العقد.
وحول المطلب الثاني وهو (صاحب العمل أو ربُّ العمل) فيقول في تعريفه: وهو الطرف الآخر من العقد، ويعرفه القانون العماني بأنه: كل شخص طبيعي أو اعتباري يستخدم عاملاً أو أكثر لقاء أجر.
وعن صفات صاحب العمل فهي: احترام العامل وعدم الترفع عليه، ومعاملته بالحسنى: والإحترام والتواضع للإخرين مهما كانوا من البساطة والفقر شأن الأتقياء الأوفياء، ولذا يؤمر صاحب العمل أن يحترم العامل ويقدره، ولا يهينه بأي طريقة من الطرق والأشكال، فالإنسان محل تكريم من الخالق عندما قال تعالى:(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)، ومع وضوح التشريع الإسلامي الداعي لاحترام العمال وتقديره إلا أننا نجد في عالم اليوم أن العلاقة بين طرفي العمل في كثير من الأحيان علاقة جافة، تحكمها المصلحة والمادة فقط، ولذا كثرت الخلافات بينهم لأتفه الأسباب لانعدام تلكم الأخلاق النبيلة الداعية الى قمة التسامي في العلاقات واحترام وتقدير الآخرين، ويدخل في المعاملة وحسن الخلق بين العامل، وصاحب العمل أن يحلم عن خطئه، ويعفو عن تقصيره، كما هو خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما ذكر الله في وصف نبيه إبراهيم عليه السلام بقوله: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب).
.. وللموضوع بقية الاسبوع القادم.