نافذة لغوية (219)

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير كلية العلوم التطبيقية بصلالة [email protected]
ألف الناس أن يسمعوا من الإذاعات والفضائيات أو في الحفلات الغنائية بياناً تقديمياً يسبق كل مُغَنٍّ أو مغنية ، وبهذا التقديم يعرّفون بالمغني أو المغنية ، وربما ذكروا ماذا سيغنِّيان ، وفي معظم الأحيان يدور في ذهن السامع أنه سيستمتع بما سيُقدَّم ،أو سيطرب، ذلك لأنَّ مفهوم الطرب قد استقر في ذواكرنا بهذه الدلالة الايجابية ، أي أنَّه يتّجه إلى الفرح دون الجزع ، وهذا في الحقيقة والأصل غير دقيق لا عند اللغويين ، ولا في الشعر القديم ، إنَّما الطرب خِفَّة تصيب الإنسان ، لشدة السرور ، أو لشدة الجزع ، وتنجم عنه حركات مختلفة أو استجابات وردود فعل متباينة ، ومن مظاهر هذه الخِفَّة ما نراه يصدر عفوياً عن بعض الناس في الأفراح والأحزان والمفاجآت كالتصفيق والضرب واللَّطم والشهقة واطلاق الرصاص والتربيت على الكتف ... ولعلَّ مثل هذه الاستجابات هي التي كان يقصد إليها اللغويون عندما عرَّفوا الطرب بأنه خِفَّة تصيب القلب أو الإنسان ، ومما يعزّز هذا الرأي من الشواهد الشعرية ما يُنسب إلى بشار بن برد أو إلى غيره في البيت:
يَقُلنَ : لقدَ بكيتَ ، فقلْتُ : كلا وهَلْ يَبْكي من الطَّرَبِ الجليدُ
ثم انظر إلى قول النابغة الجعدي :
سَأَلَتْني جَارَتي عن أَمَتِي وإذا ما عَيَّ ذو اللُّبِّ يَسَل
سَأَلَتْنِي عَن أُناسٍ هَلَكُوا شَرِبَ الدَّهرُ عليهِم وأَكَل
وأَرَاني طَرِباً في إِثْرِهِم طَرَبَ الوالِهَ أو كالمُخْتَبَل
فقوله : طرب الواله ، أي طرب المتحيِّر ، الثاكل ، والمختبل : الذاهب العقل. وبدهي أن المتحير الذي ذهب عقله حزناً ولهفة لا يكون إلا نقيض الفرح المستمتع على أن هذه الدلالة لم تقتصر على البكاء كما جاء في قول الشاعر : وهل يبكي من الطرب الجليد ولا على ذهاب العقل والتحير كما قال الآخر ، إنما كانت تعني إلى جانب ذلك المعنى الشائع اليوم من جهة أخرى ، فقد جاء في المعاجم أن التطريب في الصوت : مده وتحسينه ومن ذلك ما جاء في شعر الكميت :
طَرِبْتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطْرَبُ ولا لَعِباً مِنِّي ، أذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ ؟
وواضح أن المعنى هنا اتجه إلى ما نعرفه من مفهوم الطرب اليوم. كما أن معناه قد يدل على الشوق وشاهده قول ذي الرمة :
أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عن أشياعِهِم خَبَرا أم رَاجعَ القَلْبَ مِن أَطرَابِهِ طَرَبُ ؟
ولعل ذلك من قلق القلب وهُفُوِّه في إثر من يحب حتى لكأن خلجة ألمّت به عند تذكرهم كأنها خلجة الشوق المعاود . ولا يخفي ما للفظة الاضطراب ـ من الناحية الصوتية خاصة ـ من صلة بتنوع هذا المعنى .