اللغة ظاهرة اجتماعية يفيد منها الإنسان في أدقّ لحظات حياته وأثمنها وأغلاها ، يجد فيها أداة فعّالة للدفاع عن نفسه في المحاكم ومنابر الدفاع عن رسالة يعتنقها ، ويجد فيها وسيلة مؤدّية مؤثّرة للإقناع بوجهات نظره وآرائه ... وباللغة يلوذ المرء في حالات الضيق والاختناق ناشداً في موسيقاها وتعابيرها الجميلة العذبة بعض العزاء والسلوان .
وباللغة يكتب لمن يحب أطيب ما يختلج في قلبه من مشاعر المودة وصبوات النفس ، ساكباً على الورق أغلى ما اختزنته منها الذاكرة ... باللغة يستعيد أشعار العشّاق التي حملتها الرياح من البوادي مضمّخة برائحة العرار والغضا ... وباللغة يهب القلب طمأنينة ودفئاً وهو يتلو سورة مريم والرحمن ، وستظهر أحاديث الأنبياء والحكماء في ترجيع لذٍّ حميم ... من معين اللغة الثّر نتخيّر أندى الكلمات ونحن نودِّع شهداءنا الباقين الذين كان لهم قبلنا شرف تقديم قرنفلة حمراء لتاريخ الوطن .
من اللغة نتّخذ معواناً لمؤالفاة الناس وإجلالهم وتشجيعهم وتعزيتهم ، وبها نبدي ما بأنفسنا نحوهم من التّلطّف ، والتأدّب ، والمودّة ، والتقدير ... باللغة نوصل قناعاتنا الخيّرة إلى العالم ، ونرسم للأجيال صورة المستقبل وملامحه الوضيئة المحمّلة بالآمال ... وباللغة نصوغ أحلى أغاني الأعراس والحصاد والسهرات والمناسبات القومية ... من اللغة نستعير أنامل تحنان ومشاركة نهزّ أسرّة الأطفال والجرحى ليناموا آمنين على صداها ... باللغة الطّيبة نبارك الأيدي التي تشتغل ، ونمنح الأوسمة رضاً وإعجاباً ... وباللغة المرحّبة نستقبل السفن العائدة إلى مرافئ الوطن ... من اللغة تتّخذ فتياتنا كحلاً ، وسلاحاً وترتدي تراثاً مشرّفاً من حضارة الحب ، والحرب والأمومة ، والشعر ... وتمضي ... باللغة الرؤوم تحنو الأم ... وتهزّ المهد ، وترسم على صدر الطفولة خارطة الوطن ، وتعلّق في الأعناق قلائد التاريخ العربي ، وآخر الليل تغنِّي للآتين مواسم نماء واخضرار. باللغة نحاول أن نداري سهاد الحيارى ، ونُسَرِّي عن أنفس المتعبين والغرباء .. وباللغة نفتح نوافذ للآتي خلاصاً من ظلمة الحصار النفسي ... وباللغة أذرع ترحاب ، و أيد سخيّة تمنح وتمدّ راحتيها ، وتنتظر كقيثارة تحلم بغناء جماعي ... كسهل منذ أصياف لم يُرْوَ ، كمدينة عريقة باقية في أوجه الفصول تنتظر أن تشهق فوق قبابها تهاليل المآذن ... اللغة نحن ، المستقبل : إغناء ، وإبداع ، وبوح ، ونجوى ، وإسراء ، ومعراج ، وأمة ، وليست خطأ وصواباً وتعقيداً وحقل ألغام وحسب .

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة [email protected]