مما تجري به الأقلام ويدور على الألسنة من غير رويّة ولا أناة قول بعضهم : فلان من عليّة القوم ، يقولونها بالتشديد ، وكأنها مؤنّث (عليّ) ولا وجه لها بهذا النطق، إنما هي من عِلْيَة القوم ، مثلها في ذلك مثل صبية ، جمع صبي ؛ لأنها جمع عليّ ، أي شريف رفيع.ومن ذلك أيضاً إقحام الأداة (على) ، على أفعال لم تألفها العربية في الاستخدام السليم ، كقولهم : تعرّف على ، وأكّد على ، واعتاد على ، وتعوّد على.والذوق اللغوي يأبى هذا كله ؛ لأن في (على) معنى المكانية والحسّية المادية ، ألا ترى أنهم يقولون : جلس على الشيء ، واعتمد على الجدار ، واتكأ على العصا ، ووقف على المنبر ، ثم انتقل هذا إلى الاستخدام المعنوي.أما مع الفعل (تعرّف) فلم تستخدم أصلاً ، فضلاً عن أن (عَرَفَ) تعني علم ، ونحن نقول : تعلّم فلان فنَّ كذا ، وكذلك تعرّف فلان ما عند فلان أي طلبه حتى يعرفه ، وتعرّف فلان الشيء ولا يقال تعرّف عليه ، وكذلك نقول : أكّد الشيء ، ووكّده ، ولا يقال : أكّد على الشيء ، أو أكّد بأن الشيء كذا. كما لا يقال : اعتاد فلان على القيام برحلات ، أو تعوّد على الاستيقاظ مبكراً ، إنما يقال : اعتاد فلان الأمر وتعوّده ، مثلما تقول : عيَّده في العيد ، وعاده في المستشفى ، لا كما يقول العوام : عيَّد عليه ، ومنه الحديث " تعوّدوا الخير ، فإن الخير عادة ، والشر لجاجة ".وشبيه بهذا في طرائق الاستخدام الخاطئة للأدوات قول بعضهم : تعهّد فلان بالأمر ، وإنما هي تعهّد فلان الأمر ... أي تردّد إليه وأصلحه أو حفظه ، ومنه المعهد للمكان الذي يعهد به المرء شيئاً ، أي يعرف أو يفهم. ومن هذا قولهم : أعلن عن كذا ، ولا يكاد إعلان يكتب أو ينشر أو يذاع إلا مصدّراً بهذه العبارة : تعلن وزارة أو شركة كذا عن ... وليس هذا من أساليب العربية الدقيقة في الاستخدام ، إنما يقال : أعلن فلان الشيء ، وأعلن به ، ولعلّنا من هنا نقرأ في كتب التاريخ : أعلنت دولة كذا الصلح ... لا أعلنت عن الصلح ، كما تقول العرب : أعلنت بالأمر ، قال الشاعر:حتى يَشُكَّ وُشاةٌ قد رَمَوْك بنا وأَعْلَنُوا بك فينا أَيَّ إِعْلانِومنه أيضاً إدخال الباء على القول وفعله بما لا يناسب السياق، كأن يجيء في الأخبار ... وقال معالي الوزير بأن هذا الأمر سيكون موضع اهتمام، فالباء هنا لا حاجة إليها مع (إن) بل الأَولى حذفها، اقتداء بأساليب الاستخدام، والذوق اللغوي. وهناك من يقول : نبّه فلان صديقَه إلى خطر تصرّفه ... إنما يقال : نبّه على ، فذلك أفصح وأسلم ، وبعض الناس يقول مثلاً : يقال : نوّه بكذا ... لا نوّه عن ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنا أول من نوّه بالعرب، أي رفع ذكرهم بين الناس.د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير كلية العلوم التطبيقية بصلالة
[email protected]