تخيَّل أنَّك حصلتَ للتَّوِّ على تقييمٍ سيِّء بالمؤسَّسة الَّتي تعمل بها، أو علمتَ أنَّ الورمَ الحميد بجسمِك قد يكُونُ سرطانًا! عندها قد يتسارع قلبُك، ويضيق صدرُك، ويصبح فمُك جافًّا، وجلدُك رطبًا بالعَرق، وكُلُّها أعراض جسديَّة كلاسيكيَّة ـ إن استطعت القول ـ لِمَا قد يكُونُ عَلَيْه القلق.
وهُنَا يجِبُ حقيقة أن نعيَ بأنَّ استجابة الجسم البَشَري المستمرَّة للقلقِ تُخفي في الواقع ظاهرتَيْنِ نَفْسيَّتَيْنِ مختلفتَيْنِ. الأوَّل ولْنُسمِّه (القلق النَّامي)، حيث يحدُث استجابة لتحدِّيات غير مريحة ولكن يُمكِن التحكُّم فيها. أمَّا الثَّاني ولْنُسمِّه أيضًا (القلق السَّام) وهو عادةً ينشأُ من المواقف الَّتي تتجاوز قدرة المرء على التَّعامل معها. وكأنَّه الفَرق بَيْنَ العثور على تسرُّب في الطَّابق السفلي، وفقدان منزلِك في ذلك الإعصار.
بطبيعة الحال، ذلك القلق النَّامي والقلق السَّام لَهُما تأثيرات مختلفة بشكلٍ ملحوظٍ على دماغنا وجسمنا. ولعلَّنا ندرك أنَّه على مدَى عقودٍ، اكتسب القلق سمعةً بأنَّه يدمِّر الصحَّة. لذلك نلاحظ ومن خلال دراسات متعدِّدة توضِّح كيف أنَّ المُجتمعات تبذل قصارَى جهدها للهروب من هذا المرض من خلال الأدوية أو أنماط الحياة الَّتي تُعزِّز الهدوء! وواقعيًّا، يُمكِن أن يكُونَ القلق السَّام ضارًّا من النَّاحية البيولوجيَّة والنَّفْسيَّة. مع ذلك فالقلق النَّامي قد يُعزِّز الصحَّة والمرونة، بنَفْسِ الطريقة الَّتي يُمكِن أن تجعلَنا بها التَّمارين البدنيَّة أكثر لياقة.
ورُبَّما الشَّيء الرائع في القلق النَّامي هذا أيضًا، هو أنَّه يُمكِن أن يُعزِّزَ المرونة في العقل والجسم على حدٍّ سواء، حيث تُشير الأبحاث إلى أنَّ تجربة الإجهاد الَّذي يُمكِن السَّيطرة عَلَيْه، مقارنةً بالإجهاد الَّذي لا يُمكِن السَّيطرة عَلَيْه أو حتَّى عدم وجود إجهاد؛ يُمكِن أن تحميَ الفرد من الآثار السلبيَّة لكُلٍّ من الضغوط الحاليَّة والمستقبليَّة. ويرجع ذلك على الأرجح إلى أنَّ القلق الحادَّ يؤدِّي إلى زيادة قصيرة في اثنين من هرمونات التوتُّر: الكورتيزول والنورإبينفرين، خصوصًا وأنَّ النورإبينفرين يزيد من معدَّل ضربات القلب وضغط الدَّم، ممَّا يجهزك لأيِّ ردِّ فعلٍ حماسي! وعلى النَّقيض من ذلك، فإنَّ التوتُّر المزمن والقلق النَّاتج عَنْه ليسا صحيَّين ولا مُفيدَيْنِ، حيث يُمكِن أن يؤدِّيَ الارتفاع المستمرُّ للكورتيزول والنورإبينفرين إلى زيادة فرص الإصابة بمرض السكَّري والسّمنة وارتفاع ضغط الدَّم مع إضعاف الوظيفة الإدراكيَّة.
بل وإنَّه في بعض الأحيان، يكُونُ القلق السَّام أمْرًا لا مفرَّ مِنْه، حيث يُمكِن أن تسببَ بيئات وعلاقات عمل معيَّنة ضغوطًا ضارَّة لا هوادة فيها. وأعتقد هُنَا أنَّه في هذه الحالات، قد يتطلب ذلك إصلاحًا كالعثور على وظيفة أو شريك مختلف. بَيْنَما يُمكِن للأشخاص الَّذين يعانون من القلق الشَّديد في غياب أيِّ ضغوط، الاستفادة من التقييم الطبِّي والمتاح لعلاج اضطراب القلق المحتمل!
ومع ذلك، وبالنِّسبة لمُعْظم النَّاس، قد أجدُ هنالك أملًا في تصحيح الأمْرِ، وذلك من خلال تحويل القلق السَّام إلى قلق نامٍ، ولكن هذا ـ بلا شك ـ سيكُونُ مناطًا بالفرد نَفْسِه. فعلى سبيل المثال، مريض كان يعاني من سلسلة من المشاكل الصحيَّة الَّتي جعلته يشعُر بالارتباك والذُّعر، انتهى بقلقٍ مزمنٍ وانعزال اجتماعي. أظنُّه قد شعرَ بالهزيمة ـ أعانَه الله ـ، وبدأ يتخلَّى عن نظامه الغذائي وممارسة التَّمارين الرياضيَّة، حتَّى أنَّه تجنَّب مواعيد متابعاته مع طبيبه. مع ذلك ـ ومن خلال طلب الاستشارة ـ قمتُ مع ذلك المريض بتقسيم مشاكله المُتتالية إلى تحدِّيات مع حلولٍ يُمكِن التحكُّم فيها، وسرعان ما شعرَ بإحساس بالسَّيطرة بعدها، واختفى إحساسه بذلك الإرهاق المُتعِب.
ختامًا، كُلُّ فردٍ لدَيْه حساسيَّة مختلفة للتوتُّر. طبعًا بِغَضِّ النَّظر عن قدرتك على تحمُّل التوتُّر، فحتَّى التدخُّلات الصَّغيرة، مِثل الحصول على قسطٍ كافٍ من النَّوْم وممارسة التَّمارين الرياضيَّة، يُمكِن أن تساعدَ في منعِ المرء من الانزلاق إلى ذلك القلق المزمِن والمُرهِق. صحيح أنَّ جرعات التوتُّر الصَّغيرة وممارسة الرياضة ـ مثلًا ـ كلاهما غير مريح أحيانًا، لكنَّهما يجعلاننا أقوى على المدى الطويل!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي