قد لا يعي الجميع أحيانًا أنَّ أولئك النَّاجين من السَّرطان وويلاته، يُمكِن أن تثيرَ الآلام والأوجاع الطبيعيَّة مخاوفهم من عودة المَرض، بل ويُمكِن أن تؤدِّيَ هذه المخاوف إلى ضائقة عاطفيَّة وسلوكيَّات غير صحيَّة، من بَيْنِ آثارٍ صحيَّة أخرى محتملة. فهي صدقًا رحلة شخصيَّة، تتخللها الانتصارات، والتجارب الصَّعبة الَّتي مُكرهًا يجِبُ أن يواجهَها الفرد دُونَ عجزٍ أو كدَرٍ.
وعَلَيْه نقول إنَّه في بعض الأحيان قد يكُونُ من الصَّعب تحديد المدَّة قَبْلَ انتكاسة السَّرطان تلك! يُمكِن أن يختلفَ الإطار الزَّمني لتكرارِ الإصابة بالسَّرطان بشكلٍ كبير ويعتمد على عدَّة عوامل، بما في ذلك نَوْع السَّرطان والمرحلة الَّتي تمَّ تشخيصه فيها في البداية والعلاج الَّذي تمَّ تلقِّيه والخصائص الفرديَّة للمَريض. لا سِيَّما وأنَّ بعض أنواع السَّرطان قد يعُودُ في غضون بضعة أشْهُر، بَيْنَما قد لا تتكرر حالات أخرى لعدَّة سنوات!
لذلك دائمًا ما نذكر، أنَّه يجِبُ أن نتابعَ بدقَّة وصبر، ونلاحظَ أيضًا تلك السلوكيَّات أو تلك النَّوبات المزاجيَّة ـ إن استطعت القول ـ لمريضِ السَّرطان؛ لأنَّها قد تتكرَّر وتكُونُ أكثر تطرُّفًا من المتوقع، كتفاعل وردِّ فعلِ المَريض تجاه تشخيصه بالسَّرطان، أو حتَّى ـ لا سمحَ الله ـ رجوع وانتكاسة في مَرض السَّرطان. حيث من بَيْنِ تلك الأعراض؛ عصبيَّة ونرفزة حادَّة وشديدة، فقَلَق وضيق مستمر. وأحيانًا تصل إلى العزلة وفَقْدِ القابليَّة للجلوس مع الآخرين.
بلا شك، رُبَّما الكثير مِنَّا لاحظَ أنَّ هذه الأعراضَ تظهر بشكلٍ أكثر وضوحًا في الأوقات الحرجة عند مرضَى السَّرطان، خصوصًا عند حدوث انتكاسات وعودة الورم. وهكذا فالأشخاص الَّذين يشعُرون من الخوف من عودة الورم، يعانون من القلق من كُلِّ ألَمٍ ـ على سبيل المثال ـ، أو إحساس مزعج لدَيْهم في أجسادهم. ما أقصده هُنَا، أنَّه قد يشعُر شخص ما بألَمٍ في قَدَمِه ويعتقد على الفور أنَّ السَّرطان قد عادَ إِلَيْه، على الرّغم من أنَّهم يعرفون منطقيًّا أنَّه ليس سرطانًا، إلَّا أنَّهم ما زالوا يشعُرون بهذا الخوف غير العقلاني (بذات الوقت طبعًا لا ألومُهم عَلَيْه).
بشكلٍ ما، هؤلاء المرضَى (أعانَهم الله) يمرُّون بزوبعة من القلق، ويعلقون في التفكير بأنَّهم لن يعرفوا ما يجِبُ عَلَيْهم فعلُه، بَيْنَما في الواقع قد أنجزوا الكثير بالفعل. وأجزمُ هُنَا بأنَّ لدَيْهم مهارات التَّأقلم والقوَّة بعد تلك الرحلة الصَّعبة، ولكنَّ الأمْرَ يتعلق فقط بالدخول في عقليَّتهم وفهمها خلال مراحل الانتكاسة أيضًا!
بطبيعة الحال، الأشخاص الَّذين لا يعيشون بالضرورة في خوف من عودة السَّرطان (بعد علاجه) كُلَّ يوم لا يزال من الممكِن أنْ تثيرَهم أشياء معيَّنة. وواقعيًّا يختلف كُلُّ شخصٍ عن الآخر، لذلك من المُهمِّ أن يتعلمَ كيفيَّة التعرُّف على محفِّزاته حتَّى يتمكَّنَ المَريض من إدارتها. ومن هُنَا، دائمًا ما نذكِّر المَريض بأنَّ إحدى طُرق التغلُّب على الرّهاب في عودة السَّرطان، هي التَّركيز على ما يُمكِنك التحكُّم فيه.
ولعلَّ رسالتي لهؤلاء المرضَى (وآمُل أن تصلَ لَهُم): لا يُمكِنك التحكُّم في عودة السَّرطان، لذا ركِّز بدلًا من ذلك على ما يُمكِنك القيام به لدعمِ نَفْسِك بطُرقٍ أخرى. افعل الأشياء الَّتي تجعلك تشعُر بالارتياح، مِثل الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة، أو قضاء الوقت في الطبيعة، أو القراءة، أو مداعبة أحفادك أو أبنائك، أو الضَّحك، أو المشاركة في الهوايات أو قضاء الوقت مع أحبَّائك.
ختامًا، يجِبُ أن نعيَ جيِّدًا ما يشعُر به النَّاجون من السَّرطان، ونراعيَ خوفهم من تكرار المَرض، أو الخوف من عودة السَّرطان ونؤازرهم، ولكن في الوقت نَفْسِه من واجب المَريض، العثور على استراتيجيَّة التكيُّف الَّتي تناسِبه. فهي لا يجِبُ أن تكُونَ مُهِمَّة ضخمة، بل من الأسهل أن يبدأَ بشيء صغير. وحتمًا أيُّ شيء يُمكِن أن يساعدَك على البقاء في الوقت الحاضِر وعدم القلق بشأنِ ما يُمكِن أن يحدُثَ في المستقبل هو الأفضل ـ بإذن الله ـ.. وتوكَّل على الله!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي