الخميس 25 يوليو 2024 م - 19 محرم 1446 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : ما أحوجنا للهجرة

أضواء كاشفة : ما أحوجنا للهجرة
الثلاثاء - 09 يوليو 2024 05:40 م

ناصر بن سالم اليحمدي

20

احتفل المُسلِمون حَوْلَ العالَم ببداية السَّنة الهجريَّة الجديدة والَّتي ترمز لهجرةِ الرسولِ محمدٍ صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم الكبرى من مكَّة المُكرَّمة مهبط الوحي إلى المدينة المُنوَّرة منارة الهدى ومهدِ الانتصار، والَّتي لم تكُنْ عملًا إلهيًّا خالصًا ولا صناعة بَشَريَّة خالصة، وإنَّما كانت ملتقى التدبير الإلهي والعمل البطولي الإيماني؛ لهذا فإنَّ أيَّ عمل تتوافر فيه هاتان الدّعامتان تأييد الله، وتضحية المؤمنين، فإنَّه يُحقِّق من الثِّمار ما يُثلج صدَوْر المُحبِّين ويغيظ أفئدة الخصوم مهما أوتوا من حِيَل وما وضعوا من عراقيل.. فهكذا كانت هجرة رسولنا الكريم وأصحابه الأوَّلِين الَّذين صدَقوا ما عاهدوا الله عَلَيْه وما بدَّلوا تبديلًا.

حينما حال القدر بَيْنَ رسول الله صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم وصحابته، وبَيْنَ تبليغ الرسالة على أكمل وَجْه وحوصر في مكَّة وفي الطائف، لم يجدْ أمامه حلًّا سوى الهجرة وهي قدر كتَبه الله عَلَيْه كما كتَبه على مَن قَبله من الأنبياء؛ لأنَّه لو استمرَّ في مكَّة ولم يهاجرْ فإنَّ احتمال أن يكُونَ مصير رسالته هو الوأدَ في مهدِها وعدم انتشارها.. لذلك فإنَّه كان من المنطقي أن يهاجرَ النَّبي الكريم؛ لأنَّ الإسلام هو الرسالة الخاتمة الباقية حتَّى يوم القيامة، لذلك فإنَّه كان لا بُدَّ وأن تنتشرَ الدَّعوة ويتحققَ عمومها وشمولها، وتشهدَ حراكًا خارج موقع البعثة؛ لأنَّ النَّبي جاء للنَّاس كافَّة وليس لفئةٍ معيَّنة من البَشَر.. فما لبِثَ أن هاجر الرسول حتَّى جاءه في العام نَفْسه كُلُّ قبائل العرب لتعلنَ إسلامها ورغبتها في الدخول في الدِّين الجديد والولاء لسُلطة الدَّولة الحديثة، وبالتَّالي فإنَّ الهجرة كانت نقطة بداية التبليغ الشَّامل لتجدَ الدَّعوة الجديدة طريقها.

إنَّ الهجرة في مفهومها الصحيح لم تكُنْ قرارًا ضعيفًا من مطاردة المشرِكين لتختفيَ الدَّعوة وأصحابها عن تلك العيون المحدقة، وإنَّما كانت انتقالًا ببذور الدَّعوة إلى تُربة صالحة يخرج نباتها بإذن ربِّه، واتِّجاهًا إلى مناخ ملائم تترعرع فيه لتؤتيَ أُكلَها كُلَّ حين.. ولو تأمَّلنا الحرب النَّفْسيَّة والماديَّة الَّتي شنَّها أعداء الإسلام على الدَّعوة لم يكنِ القصد مِنْها القضاء فقط على الدَّاعية والمؤمنين التابعين له، وإنَّما كان أهمّ ما يعنيهم يومها أن تنتصرَ الوثنيَّة وجُندها، وتنهزم هذه الدَّعوة الجديدة فلا يبرق لها شعاع بَيْنَ أنحاء البلاء.. ولكنَّهم لم يستطيعوا إطفاء نورها؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يأبى إلَّا أن يُتمَّ نوره ولو كَرِهَ الكافرون.. وبمكْرِهم ومؤامراتهم لم يصلوا إلى شيء؛ لأنَّ ربَّ الدَّعوة حارس لها ومؤيِّد رسوله، لذا كان تمسُّك أصحاب رسول الله صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم بدعوتهم وتغلغلها في دمائهم وأرواحهم انتصارًا للدَّعوة مهما بالغ الأعداء في التنكيل بهم.. ولعلَّ أمثلة الإيمان والشجاعة الَّتي ضربها أمثال بلال وآل ياسر وغيرهما إنَّما كانت أنماطًا صادقة الرؤى لانتصار الدَّعوة لدَى هؤلاء المؤمنين المخلِصين حتَّى ولو انتهى بهم الأمْرُ إلى القتل أو الموت خلال تمسُّكهم بدِينهم.. لذلك نرى أنَّ القرآن الكريم تحدَّث عن الهجرة حديث الانتصار حينما قال تعالى: «إلَّا تنصروه فقد نصَرَه الله.....».

لا شكَّ أن المؤاخاة الَّتي أبرمها رسول الله صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم مع صحابته كوَّنت أساسًا لأعظم مُجتمع مثالي تآلفت فيه معاني الحُبِّ والإخاء، وأشرقت بَيْنَ جنباته بطولة العقيدة الَّتي حققت النصر في الغزوات وتحقق على يديها الفتح المُبين..

للأسف رغم أنَّ النَّاس يحفظون قصَّة الهجرة عن ظهر قلب ويحتفلون بالمناسبة كُلَّ عامٍ، إلَّا أنَّ مُعْظم المُسلِمين لم يستخلصوا العِظة والعِبرة الَّتي تُنقذ أُمَّتهم وتقيلها من عثراتها وتمضي بها نَحْوَ مستقبل أفضل.. ولو تأمَّلنا الهجرة النبويَّة سنجدها تفيض بالدروس الَّتي يجِبُ أن يستقيَها المُسلِمون فيما ينفعهم في دنياهم وأخراهم مثل الصبر والجلَد وتحمُّل المشقَّة في سبيل تبليغ الرسالة.. على المُسلِمين الآن استثمار الحدَث التاريخي الأعظم وهو الهجرة النبويَّة بنَشْرِ المفهوم المستخلص مِنْها ودعوة النَّاس لهجرة الرذائل إلى الفضائل والمعاصي إلى الطَّاعات والتشدُّد إلى التسامح والاقتداء بقولِه صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني